لطالما كان العالم في رحلة بحث عن الأبطال، سواء في ساحة المعركة، أو في ملعب كرة السلة، أو في حياتنا السياسية قبل كل شيء، وقد تشكل هذه الرغبة أقوى أسباب الخراب بالنسبة إلى مصر في ظل اجتيازها لمرحلة ما بعد الثورة. فبدلًا من هاجس العثور على "البطل" التالي، يتعين على مصر أن تركز على بناء مؤسسات يقودها مواطنوها لمواجهة التحديات الحالية والمستقبلية على النحو الأمثل.

ويتجذر توق المصريين للقادة "البطوليين" في فهم خاطئ للتاريخ، الذي يحول دور القلة إلى أسطورة، ويتجاهل إسهامات الكثيرين. فتاريخ مصر لا تحدده عظمة أمثال محمد علي أو سعد زغلول وحدها، ولكن تحدده أيضا الجهود البطولية التي يبذلها الأشخاص العاديون. وإذا كانت الثورة المصرية قد علمتنا أي شيء، فهو أن التغيير لا يحدث من الأعلى إلى الأسفل، وإنما من الأسفل إلى الأعلى، حيث يقوده الأشخاص العاديون.

وقبل أن تتمكن مصر، أو أية دولة أخرى، من البدء في معالجة التحديات الحالية، فإنها تحتاج إلى إدراك ماضيها وفهمه بقدر أكبر من الواقعية. والبحث عن الأبطال هو بحث عقيم، لأن الأبطال الذين يتطلع الناس إليهم لا يوجدون حقاً. وفي حين أن بعض القادة يعدون أفضل من غيرهم، فإن فكرة أن شخصاً ما سوف يأتي ويحل جميع مشكلات دولة معينة ليست صحيحة.

وتماماً كما كانت الثورة المصرية ثورة من أسفل إلى أعلى يقودها الشعب، فإن مستقبل مصر سوف يعتمد على أنشطة عموم المواطنين. وجميع المصريين، بدءًا من رواد ميدان التحرير الذين يطالبون بالتغيير، ووصولًا إلى سكان البلدات الصغيرة الواقعة في منطقة دلتا النيل، الذين يطلقون عملية تنظيم مجتمعية، يشاركون في هذا المفهوم الجديد للمواطنة، الذي سيركز على بناء مؤسسات قوية سيتبين أنها تأسيسية بالنسبة للمستقبل. ولا بد من تغيير عقلية المصريين فيما يرتبط بتاريخ بلادهم ومستقبلها. فتاريخ الأمم لا يحدده أبطال في القصر الرئاسي، وإنما الأبطال الموجودون في الشوارع.