"هل تحتاج أميركا إلى سياسة خارجية؟" هو عنوان كتاب وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر الصادر قبل اشهر قليلة من هجمات 11 سبتمبر 2001. وأحد المراجعين البارزين للكتاب حينها قال إن العنوان "غريب"، لكن العنوان لم يكن غريبا، كان جوهريا وأقرب إلى النبوءة، فقد توقع مجيء الرئيس الأميركي باراك أوباما وأميركا التي يمثلها.
وأميركا هذه تقع في وضعية ما بين الانزعاج الملطف وغير المبالاة الهانئة إزاء تدهور أوضاع العالم. يجري تقاذف أسلحة كيماوية في سوريا مثل كرات التنس هذه مشكلتهم. تتصاعد النزعة الإسلامية على امتداد العالم العربي! هذه هي الديمقراطية ويفترض أن تحل مشكلاتها بنفسها.
أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإنها مفلسة عمليا. والسياسة الخارجية تبدأ داخل أميركا، كما يقول لنا رئيس مجلس العلاقات الخارجية ريتشارد هاس في كتابه الجديد.
وهذه هي نوعية الآراء التي كلمة "انعزالية" تمثل الكلمة الوحيدة الفعلية لوصفها، وهذه الآراء ليست هامشية. فقد استنتج عدد متزايد من الأميركيين، ومن بينهم المحافظون، أن درس العقد الماضي مفاده أنه بما أن أميركا لا يمكنها القيام بكل الأمور، فإن المسار الأكثر حكمة وأخلاقية والذي يصب أكثر من غيره في مصلحة أميركا الذاتية، يتمثل في عدم القيام بشيء.
وهنا تكمن أهمية سؤال كيسنجر، ولطالما أجرت أميركا السياسة الخارجية رغما عن نفسها، على الرغم من القناعة التي يتقاسمها الليبراليون والمحافظون بأن الدور الدولي لأميركا يكمن في خدمتها كمثال للآخرين وليس كلاعب بينهم؛ على الرغم من المعرفة بأن السياسة الخارجية تتطلب الاختيار بين الشرور، وهو الأمر الذي قد يكون ضروريا ومخزيا على الدوام.
وباختصار لماذا نهتم؟ يشير كيسنجر في كتابه إلى "أن جيل مرحلة ما بعد الحرب الباردة من زعماء أميركا يجدون من الممكن تخيل السياسة الخارجية بأنها إما عبارة عن سياسة اقتصادية أو تتمثل في تعليمات موجهة لباقي العالم حول الفضائل الأميركية". ولو علم بشأن أوباما حينها، لأضاف ربما الكاريزما الشخصية إلى لائحة بدائل السياسة الخارجية.
إنها غطرسة إدارة أوباما لحظة وصولها إلى الرئاسة بأن ترى مشكلة السياسة الخارجية لأميركا مشكلة علاقات عامة في صميمها؛ وبأن تركيبة من السياسات غير الجذابة (خليج غوانتانامو وغيرها) إلى جانب رئيس غير جذاب، صعبت المشكلات القابلة للحل.
أما العلاج.. خطاب أوباما اللين، وسيرته المقنعة، وقلقه، واستعداده لمد اليد. لقد أخطأت أميركا بوضعها المثال الخطأ، وبوضعها المثال الصحيح، يفترض أن تزول المشكلات، لكن مشكلات أميركا مع روسيا والعالم العربي أصبحت اكثر سوءا منذ مجيء أوباما إلى الرئاسة. وهذا يعود لأنه ليس للإدارة الأميركية سياسة خارجية. فهل هناك من موضوع ثابت في السياسة الخارجية الأميركية اليوم؟ هل هناك من تفسير لماذا على سبيل المثال، تدخلنا في ليبيا لكن ليس في سوريا، ولماذا انسحبنا بالكامل من العراق لكن زدنا عدد القوات ومن ثم خفضناها في أفغانستان؟
"هل تحتاج أميركا إلى سياسة خارجية؟" السؤال يبدو غريبا فقط لأنه لا يوجد كثيرون إلى جانب هنري كيسنجر يمكنهم تذكر أن أميركا حاولت أن تمضي دونها من قبل، وكيف أن المحاولة السابقة انتهت في سبتمبر 1939.
سياسة غائبة
أميركا لا تملك سياسة خارجية في عصر أوباما، لنواجه الأمر. لديها نبضات سياسة خارجية وجهاز سياسة خارجية ينقر على أمواج وتيارات الأحداث، ولهذا السبب لم تتلق فضيحة بنغازي إلا اهتماما سياسيا محدودا. وفضيحة بنغازي تتحدث عن كيفية إخضاع متطلبات قول الحقيقة لاحتياجات الجهاز السياسي للرئاسة الذي تحدثت روايته عن "تنظيم القاعدة".
