زعم تقرير إسرائيلي أن الفلسطيني محمد الدرة البالغ من العمر 12 عاماً الذي جرى التقاط صور مقتله في غزة عام 2000 من قبل محطة تلفزيون فرنسية، لم يقتل من قبل الإسرائيليين، بل إنه قد يكون حياً يرزق. وكان فيلم قصير صوره مراسل القناة الثانية الفرنسية تشارلز أندرلين، وجرى تتبعه في جميع أنحاء العالم عن محمد الدرة ووالده اللذين علقا في تبادل لإطلاق النار، قد حول الفتى إلى رمز لوحشية الاحتلال الإسرائيلي. الآن تقول إسرائيل: إن تلك الصور نفسها تشكل دليلاً إضافياً على حملة عالمية ضدها.
وبذلك تبدأ حرب بشعة أخرى من مرض الدعاية المزمن الذي يستشري في هذا الصراع. وإسرائيل قتلت 1397 طفلاً فلسطينياً غير متورطين في أي اعتداءات منذ بدء الانتفاضة الثانية، بحسب إحدى المنظمات غير الحكومية في فلسطين، لكن لا توجد تحقيقات في وفاتهم، لأن أياً منهم لم يمثل رمزاً كما محمد الدرة. وتلك الصور التي التقطت وجهه الخائف قبل وفاته تم تتبعها حول العالم وهي الآن مدفونة في قلوب كثيرة، وهناك طوابع بريدية عنه، وحدائق وشوارع سميت باسمه، ويافطات عن تلك اللحظة الرهيبة مرفوعة على الشوارع على امتداد العالمين العربي والإسلامي.
وهذا التحقيق الذي أجراه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو السنة الماضية كان المقصود منه، على ما يبدو، إعطاء وقود له من الداعمين الإسرائيليين من الجناح اليميني، وكان يفترض بأي تقرير يسعى إلى الاقتراب من الحقيقة أن يتحدث إلى والد محمد الدرة أو المراسل أندرلين، أو القناة الثانية الفرنسية. وبدلاً من ذلك، ما توفره هذه الوثيقة هو الدوران في المكان نفسه من دون أي أدلة جديدة.
لكن ما يبرز مجدداً هو غياب الاعتبار لأي شيء يمكن أن يسهم الفلسطينيون به في هذه الرواية. وفي واقع الحال، هذا التقرير يقول للفلسطينيين: «كلماتكم وأوجاعكم وخسائركم عديمة الأهمية». فلا عجب من قول جمال الدرة والد محمد: «ما يحزنني هو شعوري بأنني وحدي في وجه آلة الدعاية الإسرائيلية»، منطلقاً إلى رثاء نقص الدعم من السلطة الفلسطينية في رام الله أو حكومة حماس في غزة.
