أصبح مألوفاً الاستماع إلى محللين يطالبون أوروبا بأن تصبح كـ"ألمانيا" للخروج من الأزمة، وتبني مناهج ألمانية في السياسات، بدءاً من التشديد المالي على العمالة إلى إصلاح أسواق المنتجات.

وهذا التفكير خطأ. فالسؤال لا يتعلق بمدى صحة سياسات ألمانيا، بل ما إذا كانت ستؤدي إلى النتائج نفسها في بيئة اقتصادية وسياسية مختلفة. ولرؤية ذلك نحتاج إلى تجاهل اليونان قليلاً والنظر إلى جارتها بلغاريا.

وعلى غرار ألمانيا، مضت بلغاريا على مدى سنوات عدة في ميزانيات منضبطة وإصلاحات اقتصادية تهدف إلى تحسين التنافسية قبل أن تحل الأزمة المالية في عام 2008. ولقد استجابت الدولتان للصدمة المالية بزيادات مفاجئة في عجز ميزانياتهما، لكنهما سرعان ما لجما العجز. وعجز بلغاريا كان عند نسبة 0.7% من الناتج المحلي الإجمالي في فبراير الماضي.

والسياسات النقدية للبلدين كانت متطابقة تقريباً. وعلى الرغم من أن بلغاريا ليست عضواً في اليورو، إلا أن عملتها (ليف) كانت مربوطة باليورو ويحظر على مصرفها المركزي إقراض المصارف التجارية. ونتيجة لذلك، كانت السياسة النقدية توضع، في الواقع، من قبل المصرف المركزي الأوروبي في فرانكفورت. ولقد أشادت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في مناسبات عدة ببلغاريا كمثال يفترض أن تحذو حذوها الاقتصاديات الأوروبية الأخرى.

وعلى الرغم من كل هذا، فإن الهدوء في بلغاريا انفجر وتسبب بانهيار الحكومة اثر احتجاجات ضد ارتفاع فاتورة الكهرباء. لماذا؟ لأن المواطنين البلغاريين لا يمكنهم تحمل سياسات ألمانيا.

وألمانيا هي من أغنى الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والأكثر تأثيراً إلى حد بعيد، أما بلغاريا في المقابل فهي الدولة الأفقر والأقل تأثيراً.

والأمر لا يتعلق بمدى التعلق بالاتحاد الأوروبي أو النفور منه. فالشعبان الألماني والبلغاري يتمتعان بدرجة عالية من الثقة بالتكتل الأوروبي، وإن لأسباب مختلفة: بالنسبة للألمان لأنهم يثقون بحكومتهم وقدرتها على التأثير في الاتحاد الأوروبي، أما البلغاريون فالعكس تماماً.

وأسباب انتهاء السياسات المنضبطة مالياً في البلدين بطريقين مختلفين تعود للتباين في الثروة والأداء المؤسسي. بالنسبة للألمان، فإن نهج المحافظة المالية في بلادهم، حيث تقوم مؤسسات الدولة بوظائفها يعدهم بغد لا يختلف كثيراً عن الحاضر.

أما في بلغاريا، فإن السياسات نفسها تجعل الناس غاضبة لأن المستقبل سيكون شبيهاً بالحاضر. وفقدان الأمل بمستقبل أفضل قد يكون السمة الأهم في الأزمة السياسية في بلغاريا.

على مدى عقود، كانت الصيغة التي تقود التكامل في الاتحاد الأوروبي هي واحدة من سياسات متباينة تنتج أداء اقتصادياً متقارباً. فلماذا التقارب في السياسات اليوم يهدد بتدمير تلك الاتحاد؟

في السنوات الـ15 الأخيرة، مرت ألمانيا وبلغاريا بإصلاحات اقتصادية مهمة، لكن المحتوى السياسي في البلدين لم يكن من الممكن أن يكون أكثر تبايناً. كانت إصلاحات أجندة المستشار الألماني السابق جيرهارد شرويدر لعام 2000 تحظى بتوافق الآراء وتتميز بالاستقرار المؤسسي، بعد أن دعم الحزبان السياسيان الأكبر في البلاد الإصلاحات.

أما الوضع في بلغاريا فكان معكوساً. فقد تبدلت سياسات الاقتصاد الكلي للبلاد قليلاً عبر السنوات، لكن الحكومات كانت تتغير طوال الوقت. والناخبون باستمرار كانوا يطالبون بالتغيير، لكن بغض النظر عمن يختارون، كانوا يحصلون على السياسات الاقتصادية نفسها.

وإذا كان الانتقال الاقتصادي لألمانيا حالة كلاسيكية من الإصلاحات المدفوعة سياسياً، فإن تجربة بلغاريا كانت مثالاً واضحا بالمقابل عن مبدأ "لا يوجد بديل". وهذا ما هو معروض الآن على الناخبين في اليونان، وإيطاليا وغيرهما من دول الأطراف في منطقة اليورو.

 

توقع

تشير الانتخابات الأخيرة في بلغاريا إلى فترة مطولة من عدم الاستقرار السياسي، يتوقع قليلون في ألمانيا تغييرات مهمة في الانتخابات المقبلة. وتقارب في السياسات أدى إلى نتائج معاكسة في ألمانيا وبلغاريا، وهذا يظهر أن أوروبا لن تتعافى بالضرورة من خلال أن تصبح كألمانيا، ذلك أن وجود تباين واسع في الثروة والأداء المؤسسي هو الذي يهدد الاتحاد الأوروبي وعملته.