أمام نواز شريف فرصة هائلة في إعادة صياغة وجه السياسة الباكستانية، فحزبه حاز على مقاعد كافية تخوله حكم البلاد دون عقد ائتلاف مهم، كما أكدت نتائج التصويت.
ومتحديا كل التوقعات التي أشارت إلى خسارة حزبه أصواتا لصالح حزب عمران خان "تحريك إنصاف"، اجتاح حزب «الرابطة الإسلامية الباكستانية-جناح نواز» إقليم البنجاب الأكثر اكتظاظا بالسكان في باكستان، كما أن هذا الحزب من يمين الوسط دفع بحزب الشعب الباكستاني من يسار الوسط إلى التراجع إلى قواعده التقليدية في السند.
استحقاقات مقبلة
ومن ضمن تغييرات الحرس المتوقعة هذه السنة أيضا، انتخاب الرئيس الباكستاني، وتعيين رئيس أركان جديد للجيش، وكذلك رئيس جديد للمحكمة العليا.
ويملك شريف فرصة تأسيس قواعد متينة لفترة ولاية كاملة، لم يحظ بها الرئيس المنتهية ولايته من حزب الشعب الباكستاني. وبإمكان شريف استخدام السلطة بشكل حكيم إذا لم تدفعه إلى الغرور.
وحكم باكستان لم يكن يوما أمرا سهلا.
وتصويت الأكثرية في إقليم البنجاب كان كبيرا بما يساعد نواز شريف على تشكيل الحكومة المركزية، لكن هذه القاعدة لا تنطبق على السند الذي احتفظ به حزب الشعب الباكستاني، أو على مقاطعة خيبر- باشتونخوا حيث حصل حزب خان على مقاعد كافية لينافس على السيطرة على الحكومة الإقليمية.
وحملة خان لمكافحة الفساد قد تكون مجال إثارة لوسائل الإعلام، لكن تبين أنها لا تشكل ظاهرة وطنية.
وتوزيع الأصوات على مستوى الأقاليم يطرح التحديات نفسها أمام نواز شريف. إذا لم تتمكن حكومته من تأمين خدمات للبلاد، كما أظهر حزب «الرابطة الإسلامية الباكستانية-جناح نواز» أنه قادر عليه في البنجاب، فان شهر عسل قصير ينتظر رئيس الوزراء الجديد نواز شريف.
بالنسبة لشريف، فإن الحظ قد حالفه للمرة الثالثة، وجانب كبير من هذا الحظ سيعتمد على مدى استيعابه للدروس السياسية من فترة الولايتين العاصفتين السابقتين له في السلطة. وعلى عكس الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري، فإن شريف ليست لديه المواهب السياسية المطلوبة للحفاظ على لحمة الائتلافات.
لكن مع وجود إقليم السند ومجلس الشيوخ حتى عام 2015 في يد المعارضة، فإن شريف سيحتاج إلى حكم باكستان بقدر من التشاور، فهو لا يستطيع تغيير الدستور.
تباين الخطاب
وتصرفات باكستان في ظل علاقاتها المشحونة مع الولايات المتحدة تكون في معظم الأحيان على تباين مع خطابها. وأخيرا، قال شريف إن برنامج الطائرات الموجهة عن بعد لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية يشكل تحديا لسيادة باكستان.
وهذا ما يعنيه إلى أن يجري التعمق في الأمر وتبيان عدم استخدام جهاز المخابرات الباكستانية وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية للتغطية على أموره الخبيثة. والفوز الرنان «للرابطة الإسلامية الباكستانية-جناح نواز» كان قد استغل الشعبوية المناهضة لأميركا، ويفترض أن يشق شريف الآن غمار علاقة استراتيجية تطرح مطالب مختلفة.
وطالبان، على نحو مماثل، يمكن أن تعطي شريف بضعة أشهر من السلام، لكن نظرا لعدم إمكانية التوفيق بين أجندتها وأجندة باكستان، يمكن أيضا أن توجه بنادقها نحو إقليم البنجاب. ويتعين على نواز شريف أن يبرهن على أن حكومة بقيادة مدنية مؤهلة لمواجهة تلك التحديات.
وكان خطاب شريف خلال حملته الانتخابية بشكل ملحوظ اكثر ليونة نحو أميركا والغرب مما كان خطاب أسلافه، الذين جمدوا العلاقات مع واشنطن حول خلاف لم يحل بعد بخصوص ضربات الطائرات الموجهة عن بعد على الأراضي الباكستانية. ومن مصلحة الجميع تخفيف التوترات.
وشريف أيضا لديه خطط اقتصادية طموحة تعتمد على زيادة التجارة. ويمكن تحقيقها من خلال السعي وراء هدفه الأبعد مدى، وهو التقارب مع الهند. والعلاقات المتوترة بين هذين الجارين المسلحين نوويا، وأسبابها تعود إلى حد كبير إلى خلافاتهما حول كشمير، كانت مسؤولة عن كثير من مصاعب المنطقة، بما في ذلك صعود حركة طالبان.
ولا يمكن المغالاة مهما حاولنا بمقدار التأثير الجيوسياسي لإنهاء هذا الخلاف الذي أشعل أربعة حروب منذ عام 1947.
دور محوري
تشكل عودة نواز شريف إلى السلطة في باكستان أمرا جديرا بالملاحظة، في أعقاب مرور 15 سنة تقريبا على عملية إسقاطه بانقلاب عسكري.
وشريف يتولى المنصب في فترة حساسة في علاقات باكستان مع الغرب. في الأشهر الـ 18 المقبلة، سوف تلعب هذه العلاقة دورا محوريا في عملية فك ارتباط القوات الأميركية والبريطانية وقوات حلف شمالي الأطلسي "ناتو" من أفغانستان.
وإلى جانب خروج أعداد كبيرة من العدة والقوى العاملة التابعة لهذه القوات عبر باكستان، يفترض التعامل أيضا مع قدرة طالبان على تعطيل هذه العملية. وتحقيق ذلك على أفضل وجه يكون من خلال التوصل إلى اتفاق، بإشراك حلف شمالي الأطلسي "ناتو"، وليس عبر اتفاقات خاصة مع قادة الحروب في طالبان.
