إذا كان استخدام الطائرات المقاتلة الموجهة عن بعد أمراً مزعجا، فلنتخيل وضعا حيث يجري اتخاذ القرار بشأن قتل أحد الأعداء المشتبه بهم ليس من قبل مشغل الآلة القابع في غرفة تحكم بعيدة، بل من قبل الآلة نفسها.

ولنتصور قيام روبوت في الجو بدراسة المشهد من أعلى، ورصد النشاط المعادي، واحتساب مخاطر وجود حد أدنى من الأضرار الجانبية، والضغط على الزناد، مع غياب العنصر البشري في كل هذه الحلقة.

هذا مستقبل الحروب. وفيما يناقش الأميركيون صلاحيات رئيس الولايات المتحدة بإصدار الأوامر بالاغتيال بواسطة الطائرات الموجهة عن بعد، فإن زخما قويا، على المستوى العلمي والعسكري والتجاري، يدفع بهم إلى ذاك اليوم الذي يتنازلون فيه عن تلك السلطة المميتة إلى برنامج حاسوبي.

حجج مضادة

والحجج التي تساق ضد تطوير ما يسمى بأسلحة مستقلة تماما، تتراوح ما بين الحجج الأخلاقية (إنها شريرة) والتقنية (لا يمكن أن تكون ذكية كثيرا) إلى الغريزية (إنها مروعة).

وعوضا عن ذلك، يشكك بعض خبراء الروبوتات بقدرة الكمبيوتر على التمييز بشكل موثوق بين العدو والبريء، ناهيك عن الحكم عما إذا كان الرد صحيحا ومتناسبا مع الفعل. فماذا لو كان الهدف المرتقب مصابا أو يحاول الاستسلام؟ كما أنه حتى لو حقق الذكاء الاصطناعي مستوى يوازي الكفاءة البشرية أو حتى يتجاوزها، فإن منتقديه يشيرون إلى عجزه عن استشعار الرحمة.

ويروي عالم الكمبيوتر في جامعة شفيلد ورئيس اللجنة الدولية للحد من الأسلحة الروبوتية، نويل شاركي، قصة دورية أميركية في العراق التقت في طريقها بمجموعة من الرجال، فيقول : "أشهر الجنود بنادقهم قبل أن يدركوا أن الرجال يحملون نعشا، وقتل المشيعين بإمكانه أن يقلب قرية بكاملها ضد الولايات المتحدة. ولقد خفض الجنود أسلحتهم بعد ذلك. لكن هل كان بإمكان روبوت أن يتخذ مثل هذا النوع من الأحكام الظرفية؟

ثم هناك قضية المحاسبة. إذا قصفت مدرسة بواسطة روبوت، على من يقع اللوم في ذلك: الجندي الذي ارسل الآلة إلى الميدان؟ قائده؟ مصنع الروبوت؟ أم المخترع نفسه؟

كما أن أصحاب المناصب العليا في الجيش يشككون بوجود أسلحة لها عقول خاصة بها. في نوفمبر الماضي، أصدرت وزارة الدفاع توجيها يصل إلى حدود تعليق نشاط التطوير لمدة 10 سنوات، فيما تجري مناقشة التأثيرات الأخلاقية لهذا التطوير والتدابير الاحترازية الممكنة. لكن هذا التوجيه قد يستسلم بسهولة أمام الضغوط.

وبالمقارنة مع الجهود البطولية السابقة لحظر الألغام الأرضية والحد من انتشار السلاح النووي، فإن الحملة ضد الروبوتات المرخص لها بالقتل تواجه معوقات جديدة كليا.

ليس واضحا بتاتا أين يفترض رسم الخط الفاصل، في الوقت الذي تتحرك جيوش العالم باتجاه حدود متفاوتة من الاستقلال الذاتي للآلات مما يزيد تدريجيا سلطتها في القتال. والآن، يسمح الجيش للآلات باتخاذ قرارات حاسمة عندما تسير الأوضاع بسرعة تحول دون تدخل بشري مدروس.

وكانت للولايات المتحدة قد طورت منذ أمد طويل سفنا حربية من طراز "إيجيز" مع دفاعات مضادة للصواريخ آلية يمكنها أن تحدد تهديدات واردة وتقتفي أثرها وتسقطها في غضون ثوان، كما أن دور الآلة يتوسع باتجاه النقطة حيث القرار النهائي الذي يتخذه البشر بالقتل يكون محسوما سلفا بصورة كبيرة من قبل معلومات استخبارية تم توليدها آليا.

وتعد إسرائيل الدولة الأولى التي تصنع سلاحا للقتل وتنشره وتبيعه بإمكانه الهجوم بشكل استباقي من دون أن يتولى الإنسان زمام القيادة فيه، حيث طائراتها الموجهة عن بعد من طراز "هاربي" مبرمجة تحديدا للتعرف على أي إشارة رادار ليست في بياناتها المشار إليها "بالودية"، وتقصفها آلياً. لكن لنتصور قيام أحد الخصوم بنصب راداره المضاد للطائرات على سقف مستشفى؟

ويشير البروفيسور شاركي إلى "هاربي" كسلاح عبر عتبة حدود القلق، وربما قد يكون من المستحيل سحبه من الخدمة. وأنظمة أخرى شبيهة مثل الطائرة المقاتلة التابعة للبحرية الأميركية "إكس -47 بي"، هي الآن في مرحلة الاختبار.

صعوبة الحظر

ولا يرغب أي استراتيجي عسكري في التنازل عن ميزة إيجابية لخصم محتمل، وهناك أكثر من 70 دولة حاليا لديها طائرات موجهة عن بعد. ويتساءل مدير مختبر خاص بالروبوت رونالد أركين: "حتى لو كان هناك حظر للروبوتات، كيف يمكن فرض هذا الحظر؟ إنه مجرد برنامج كمبيوتر".

كما أن الجيش وتجار الحروب ليسوا الوحيدين الذين وظفوا في تلك التكنولوجيا. فالروبوتات واجهة علمية مفرطة النشاط تدار بواسطة مختبرات الذكاء الاصطناعي الأكثر تعقيدا وصولا إلى برامج علوم الكمبيوتر في المدارس المتوسطة.

ويؤيد أركين تقييد الأسلحة المستقلة بذاتها، لكن ليس من خلال كبح البحوث بشكل اعتباطي، وهو يدعو لتعليق النشاط المتعلق بنشر هذه الأسلحة، وإلى إجراء نقاش شامل حول الطرق اللازمة لإبقاء البشر في وضعية التحكم بها. لكن بيتر سنغر من بروكينغز يقول: "أنا داعم للنوايا من أجل لفت الانتباه إلى المنزلق التي نمضي فيه. لكن تاريخنا لا يجعلني أشعر بالتفاؤل كثيرا".

إذا صنعت الحرب لتبدو غير شخصية وآمنة، بتبعات أخلاقية مثل لعبة فيديو، فإن هناك قلق من أن تستنفد هذه الأسلحة المستقلة ذاتيا إنسانيتنا. وبقدر ما تبدو مقلقة فكرة أن تصبح الروبوتات مثل الإنسان، كذلك احتمال أن نصبح في سياق ذلك أشبه بالروبوتات.

 

جاذبية لا تقاوم

جاذبية الأسلحة الآلية تكاد لا تقاوم بالنسبة للقادة العسكريين، ولا تشبه أي تطور تكنولوجي سابق. فالروبوتات أرخص ثمنا من الأنظمة المأهولة، أو حتى الطائرات الموجهة عن بعد، التي تتطلب عشرات من الفنيين يساندون الطيار عن بعد.

وهذه الأنظمة لا تعرض الجنود لخطر الوفاة أو الإصابة أو الصدمات النفسية. ولا تنتابها مشاعر التعب والخوف. وسلاح غير مربوط بأوامر من القاعدة في الوطن يمكنه أن يواصل التحليق بعد قيام العدو بالتشويش على الاتصالات، وهو الأمر الأكثر ترجيحا في عصر النبضات الكهرومغناطيسية والهجمات الإلكترونية.