من المعروف أن تصديق مجلس الشيوخ الأميركي على تعيين جون برينان مديرا لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جاء إثر محاولة إعاقة وتأجيل دامت 13 ساعة من قبل عضو مجلس الشيوخ راند بول الذي ينتمي إلى التيار التحرري الداعم لتعظيم حقوق الفرد وتقليص دور الدولة. وكان قد استلم من النائب العام الأميركي قبل التصويت رسالة غريبة إلى حد ما.
فقد كتب النائب العام أريك هولدر جونيور إلى بول يقول له: "لقد لفت انتباهي انك طرحت الآن سؤالا إضافيا وهو: "هل الرئيس لديه سلطة استخدام الطائرات المسلحة الموجهة عن بعد لقتل أميركي غير متورط في القتال على التراب الأميركي؟ والجواب عن هذا السؤال هو: لا".
أسئلة أخرى
وعضو مجلس الشيوخ، الذي أثار تكتيكه التسويفي في المجلس ضجة في وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أبهج أعضاء حزب الشاي ومجموعات الدفاع عن حقوق الإنسان والمسالمين على السواء، قال إنه "كان مرتاحا للجواب". لكن رسالة هولدر تطرح مزيدا من الأسئلة أكثر مما تجيب عنها، وبالتأكيد تطرح أسئلة أهم وأخطر مما طرحه عضو مجلس الشيوخ راند بول.
ما الذي تقصده إدارة أوباما تحديدا بقولها "التورط في القتال"؟ والسرية غير العادية التي تحيط بالبيت الأبيض حاليا تجعل من الصعوبة معرفة الجواب. لكن يوجد بعض القرائن المثيرة للقلق.
وإذا جمعت المعلومات المتوفرة معا، يبدو أن إدارة أوباما مثل إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش من قبلها، كانت تتصرف وفقا لتعريف فضفاض بدرجة مفرطة لما يعنيه التورط في القتال. وبالعودة إلى عام 2004، أصدرت البنتاغون قائمة بأصناف الناس الذين تحتجزهم في خليج غوانتانامو "كمقاتلين أعداء"، وهي قائمة شملت أناسا كانوا "متورطين في التمويل الإرهابي".
وبحسب تقرير صدر في عام 2009 من قبل لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ بقيادة جون كيري الذي أصبح الآن وزيراً للخارجية الأميركية، فإن قادة الجيش الأميركي في أفغانستان أوضحوا أن قوانين الحرب: "تم تفسيرها للسماح للقوات الأميركية في أن تدرج على لائحة القتل تجار المخدرات الذين لديهم روابط مؤكدة مع التمرد". ومضى التقرير ليقول إن هناك حوالي 50 مهربا رئيسيا "على لائحة القتل يتبرعون بالمال للتمرد".
لكن البنتاغون صرحت بعد ذلك إنه "من المهم التوضيح أننا نستهدف الإرهابيين الذين على صلة بتجارة المخدرات، وليس مهربي المخدرات الذين على صلة بالإرهاب".
ومع ذلك، لم يوضح هذا التصريح كثيرا من الأمور، ولم يكن المقصود منه على ما يبدو استرضاء الحلفاء في حلف شمالي الأطلسي "ناتو" الذين طرحوا مخاوف قانونية جدية بشأن برنامج الاستهداف الأميركي, والتفسير سرعان ما افسح المجال لقرائن أخرى، وهذه المرة لم يكن المطروح الأسماء التي أدرجت في اللائحة.
رفض مستمر
ومن خلال رفض تحديد ما يعنيه "التورط في القتال"، فإن رسالة النائب العام أريك هولدر لا تستبعد السيناريو المحتمل بتوجيه ضربة عسكرية بالطائرات الموجهة عن بعد ضد مواطن أميركي على التراب الأميركي، مهما كان هذا الأمر افتراضيا، بل أنها تطرح من جديد أسئلة حول المقاييس التي استخدمتها الإدارة في اتخاذها لقرار استخدام ضربات الطائرات الموجهة عن بعد لقتل أميركيين مشتبه بتورطهم بعمل إرهابي ما وراء البحار، وبوجه خاص لقتل رجل الدين المولود في أميركا أنور العولقي الذي قتل بغارة طائرة موجهة عن بعد في اليمن في عام 2011.
هل يوجد أي سبب للاعتقاد بأن الطائرات العسكرية الموجهة عن بعد ستحلق قريبا فوق مانهاتن، وتستهدف أميركيين يعتقد بتورطهم بتمويل إرهابي؟ الجواب لا.
لكن هل تأخرت الحكومات الأميركية عن تحديد وجهات نظرها بدقة بشأن من تعتقد أن بإمكانها أن تقتله في الصراع ضد تنظيم القاعدة وغيرها من القوى الإرهابية؟ الجواب نعم.
والرفض المتواصل لإدارة أوباما القيام بذلك ينبغي أن ينبه أي أميركي معني بالحقوق الدستورية لمواطنيه إلى الإجراءات القانونية الواجبة في ظل القانون، وذلك بغض النظر عن الأعمال الشريرة التي يمكن أن يكون المواطن الأميركي متورطا بها. بالنسبة لأولئك الأميركيين، لا تقدم رسالة هولدر البسيطة ظاهريا لكن المبهمة على نحو يثير الغضب، أية تطمينات.
تأمل أخلاقي
شاهدنا منذ عشر سنوات أحداث غزو العراق تتكشف على شاشات التلفزة. كان لدى عدد كبير من جنودنا أجهزة تحكم عن بعد استخدموها لتوجيه واحدة من الاعتداءات العسكرية الأكثر تدميرا في تاريخ الحروب الحديثة. للمرة الأولى في التاريخ، كان للجنود شيء مشترك مع الفلاسفة، وهو أنه كان بإمكانهم القيام بوظيفتهم وهم مسترخون على مقاعدهم.
وبعد عشر سنوات هناك فيلسوف يؤلف كتابا عن أخلاقية حروب الطائرات الموجهة عن بعد. البعض يريد توفير إجراءات تتعلق بعملية اتخاذ القرار من قبل المخططين العسكريين والجنود، من النوع الذي يمكنه توجيههم آليا ومن دون تفكير، إلى القرار الصحيح حول استخدام الطائرات الموجهة عن بعد. لكن هذه ليست الطريقة التي تعمل فيها الأخلاق أو الفلسفة أو البشر.
