فيما تتعالى الأصوات المتناحرة في منطقة اليورو، تجد ألمانيا نفسها مجددا في خضم الصراع. وبدءا من إيطاليا، حيث رفض الناخبون بشكل مدوٍّ إجراءات التقشف، مرورا باليونان وقبرص، حيث تم تصوير أنجيلا ميركل كنازية، وانتهاء بباريس حيث اتهم أعضاء من حزب الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند المستشارة الألمانية ""بالعناد الأناني"، فإن المشروع الذي كان يهدف لجمع أوروبا بات يثير العداوة.

لكن في هذه المواجهة الحاسمة بشأن التقشف، فإن ألمانيا هي التي تراجعت أولا، حيث تشير الآن إلى أنها خففت الضغوط بشأن فشل دول منطقة اليورو في الوصول إلى أهداف خفض العجز لديها. وفي حالة فرنسا، قدمت ميركل إصلاحات اقتصادية تخفض كلفة العمالة على المدى الطويل.

وهذه الخطوة عبارة عن اعتراف بمقدار عدم شعبية الإصرار على خفض النفقات في أوقات الآلام الحادة. لكن ألمانيا تبقى متمسكة برأيها بأن القوى العاملة الفرنسية مدللة إلى حد كبير، وأفاد تقرير لوزارة الاقتصاد الألمانية أخيرا، أن فرنسا تحتل المرتبة الثانية من حيث "قلة ساعات العمل السنوية"، فيما نفقات الرعاية الاجتماعية لديها الأكثر كرما في منطقة اليورو.

ومثل هذه الانتقادات تعزز نفور الجمهور الألماني من إنقاذ دولة أوروبية أخرى. فبلادهم مرت بسياسة شد الأحزمة تحت حكم غيرهارد شرويدر منذ 10 سنوات. ويبدو من غير المنصف بالنسبة للألمان الذين قبلوا عقدا من الزيادات المتواضعة في الأجر، أن يطلب منهم الآن الدفع لإنقاذ زملائهم الأوروبيين الذين استمروا في العيش بأكثر من إمكانياتهم.

بالتالي، حتى لو أن ميركل في وضع مريح في استطلاعات الرأي قبل الانتخابات الفيدرالية في سبتمبر المقبل، فان البلاد ممزقة بنبضات متناقضة. من جهة، يريد الناخبون الإبقاء على اليورو متماسكا، أي على مساهمات ألمانيا في صفقات الإنقاذ. ومن جهة أخرى، هناك حدود لإحساسهم بالتضامن، كما تجلى بوضوح من خلال الشروط الصارمة التي سعت برلين لفرضها على قبرص في بداية هذا العام.

وحملة الانتخابات المقبلة بالتالي، ستكون غير عادية. للمرة الأولى، هناك أصوات مرتفعة من اليسار واليمين تدعو إلى إنهاء اليورو. وحتى الآن، ارتفعت اسهم ميركل من خلال الترويج لصورتها المقتصدة أمام الناخبين الألمان. ونواب حزبها مغرمون بالقول إن الألمان العاملين بكد لا يمكن أن يطلب منهم أن يدفعوا مالا ليتمكن المبذرون اليونانيون من التوجه إلى الشاطئ. وهذا الصورة هي مخادعة قليلا. ففي النهاية، استفادت ألمانيا كثيرا من خلال الصادرات إلى منطقة اليورو، وأنقذت أموالا طائلة خلال الأزمة بفضل التخفيضات في كلفة استدانتها. هذا دون النظر في دور مصارف شمال أوروبا في إشعال طفرة الائتمان في جنوب أوروبا.

لكن ميركل التزمت بصورة "المستشارة المقتصدة"، وهذه الصورة يمكن أن يستغلها خصومها لتقليص فسحة المناورة أمامها.

وفيما المنافسات الوطنية تعوم مجددا في هذه القارة، فان قوى جديدة عملاقة مثل الصين والبرازيل تغذّ الخطى. والمستشارة قالت أخيرا إنها لا ترغب بانزلاق أوروبا إلى الوراء، لكن سياساتها خلال أزمة الديون تنعش المشاعر القومية في أماكن أخرى من أوروبا، وحتى داخل ألمانيا نفسها حيث يشعر دافعو الضرائب بالقلق بشأن الكلفة المتزايدة لإنقاذ اليورو. ونتيجة لذلك، فإن بلادا تتوق إلى جمع أوروبا في سبيل الهرب من أشباح تاريخها، تخاطر الآن باحتمال خروج أوروبا من المسرح الدولي.