يجري رئيس وزراء بريطانيا ديفيد كاميرون مقارنات بين سوريا والعراق، لكن تبدو في المقابل المقارنات مع البوسنة اكثر ملاءمة للوضع، حيث وضعت مصالح الغرب حدا لحالة الهمود السائدة في وجه سفك الدماء.
وكان كاميرون قد حذر من أن الخوف من الانجرار إلى عراق آخر يشوه النقاش حول سوريا. وليس صعبا تتبع هذا المنطق، فانتصار توني بلير في كوسوفو عام 1999 مهد الطريق أمام المشاركة المثيرة للجدل لبريطانيا في إزاحة الرئيس العراقي صدام حسين بعد ذلك بأربع سنوات. واليوم، يفترض أن يسأل كاميرون نفسه ما إذا كان التدخل الذي حقق نجاحا كبيرا في ليبيا ستليه صب اللعنات في سوريا.
مقارنة في مكانها
لكن المقارنة تبدو أكثر ملاءمة مع البوسنة حيث اندلعت عملية "تطهير عرقي" من قبل الصرب خلال 1992 - 1995. في البدء رفضت القوى الغربية التدخل خوفا من التورط في مستنقع عرقي بأهمية استراتيجية هامشية.
وكانت النتيجة إضعاف الإجماع القوي المتعدد الأعراق داخل الحكومة البوسنية في ساراييفو، حيث هاجر الكرواتيون والصرب المخلصون كما المسلمون المعتدلون أو تراجعوا إلى حالة من السلبية، بعد أن يئسوا من وصول المساعدة الخارجية، وحل محلهم في الغالب عناصر اكثر تطرفا.
وأصبح تجذر الوضع في البوسنة إحدى دعائم حجج عدم التدخل، وهي أنه حتى لو كان إنقاذ البوسنة ممكنا في يوم من الأيام، فإنه فات الأوان على ذلك الآن. وفي نهاية المطاف، أجبر حلف "ناتو" على التدخل، وانتهى القتال، لكن البوسنة كانت قد تمزقت بشكل لا يمكن إصلاحه.
ونرى نمطا مماثلا في سوريا. ولا يجب نسيان أن الانتفاضة ضد الرئيس السوري بشار الأسد بدأت في مارس 2011 بحركة احتجاج غير عنيفة، وكان قد مضى بعض الوقت قبل أن تبدأ المقاومة المسلحة، ومضت اشهر عدة قبل أن يجري الحديث عن أول وجود مهم للمتشددين. وكان غياب التدخل الغربي الفعال قد ضيق مجال التسوية، فهرب المعتدلون العلمانيون من القتال أو لجأوا إلى العمل السري.
الحجة نفسها
وتقدم على الأثر المتشددون نحو الصدارة، وأصبح تراجع المعتدلين كما في البوسنة حجة لعدم التدخل، حيث قيل بشكل منتظم إن "الأمر تأخر كثيرا" على إنقاذ سوريا.
والتحرك العسكري سيكون أصعب مما كان في يوغوسلافيا السابقة، حيث دعمنا الحكومة الشرعية في ساراييفو. اليوم فقدت الحكومة السورية كل شرعيتها، فيما المعارضة ينقصها التماسك، وهذا لا يعني أنه لا يمكن القيام بشيء. ويشكل دعم الأمم المتحدة أمرا مرغوبا به لكن ليس ضروريا. وكما في كوسوفو، فان التهديد باستخدام حق النقض الفيتو من الصين وروسيا لا يجب أن يقف في طريق تحرك حاسم لمنع المزيد من المجازر.
ويجب أن تبادر بريطانيا بالطلب من "ناتو" فرض منطقة حظر طيران فوق البلاد، والتهديد بضربات جوية ضد كل الأسلحة الثقيلة للنظام.
وهذا يجب أن يصاحبه مبادرة سياسية لدعم المعارضة في إقامة مناطق حرة على طول الحدود التركية تحت قيادة المجلس الوطني السوري، على أن تشكل حكومة مؤقتة ممثلة لكل الكيانات السكانية، وهذا النهج يحتاج أن يكون جزءا لا يتجزأ من الاستراتيجية الغربية الأوسع نطاقا المتعلقة بحماية الأقليات في الشرق الأوسط. ويتعين على الغرب أن يشدد، كما فعل في البوسنة، على إرسال المقاتلين الأجانب إلى بيوتهم، وان يجري نزع سلاح المتشددين المحليين، وتدريب وتجهيز قوى المعارضة الباقية إلى أن يسقط النظام.
وتدخل كاميرون في ليبيا في الوقت المناسب منع حصول مجزرة، وسمح للنصفين الغربي والشرقي من البلاد في مواصلة العيش معا. أما في سوريا، وعلى النقيض من ذلك، فإن احتمالات التعايش تصبح اكثر كآبة كل يوم.
ويفهم تردد كاميرون قبل اتخاذ أي عمل في سوريا، لكن كلما ترك الأوضاع تطول هناك، ازدادت صعوبة.
تهديد خطير
يشبه الكاتب برندان سيمس في صحيفة "إندبندنت" رد الفعل الغربي في سوريا برده في البوسنة، فيقول: "الفشل في التعامل مع جريمة كبيرة على عتبة أوروبا هو تهديد خطير لأمنها، وعاجلا أم آجلا سوف يلجأ النظام السوري إلى استخدام الأسلحة الكيماوية، ونحن نعمل على تحويل مسار الدكتاتور إلى نبوءة تحقق ذاتها، بأنه لا يوجد بديل، إما هو أو الإسلاميون والفوضى والدمار".
ويؤكد أن تأثير هذا الأمر على باقي الشرق الأوسط لا يبعث فقط على الإحباط العميق، بل إنه خطير أيضا، وأن الغرب في النهاية سيجبر على التدخل في سوريا.
