كان الجانب الأهم في الحملة الدعائية للحرب الأميركية على الإرهاب ولا يزال إخفاء معالم ضحايا تلك الحرب وإسكاتهم، حيث نادرا ما تذكر أسماؤهم في الصحف، كما لا تسمع أصوات أفراد عائلاتهم على شاشات التلفزة وتعليقاتهم. ولقد تعاونت وزارة العدل خلال ولايتي الرئيسيين الأميركيين جورج بوش وباراك أوباما مع القضاة الفيدراليين من أجل ضمان ألا يكون لأولئك الذين يقر الجميع بأنهم أبرياء بالكامل إمكانية الوصول إلى المحاكم الأميركية، بالتالي فإنهم يفتقرون لأي وسيلة لسرد قصصهم أو للدفاع عن حقوقهم.
وتساهم النظريات الخاصة بالمؤامرة في المزيد من إخفاء معالم هؤلاء الضحايا، كذلك تفعل الهجمات المتصاعدة ضد المخبرين عن خروقات العمل. وعملية إخفائهم وتجريدهم من الإنسانية بإحالتهم إلى العدم تشكل ذروة التكتيك الخاص بتأكيد "الآخر". وكما تقول الصحافية الكندية أشلي بانفيلد في خطابها عام 2003 وهي تشجب تغطية وسائل الإعلام الأميركية لحرب العراق قبل اشهر فقط من تخفيض رتبتها الوظيفية وطردها لاحقاً من القناة التلفزيونية "إم إس أن بي سي": "إن تقارير وسائل الإعلام الأميركية تستبعد بشكل منهجي وجهات نظر "الطرف الآخر" وضحايا العنف الأميركي".
وما يجعل "الحروب القذرة" فيلماً مهماً هو نقله من الأعماق تأثير العسكرة الأميركية على أولئك الضحايا غير المرئيين، من خلال جعلهم يتحدثون عن أنفسهم انطلاقا من الأقاليم النائية والخطرة في أفغانستان واليمن والصومال.
ونسمع من أفغانيين ذبحت القوات الخاصة الأميركية أفراد عائلاتهم (بمن في ذلك امرأتان) بإقليم باكتيا عام 2010، على الرغم من أنهم من الشرطة الأفغانية، ليقوم حلف شمالي الأطلسي "ناتو" بعدها بالكذب جهارة والزعم أن المرأتين كانتا مقتولتين ضمن "جرائم الشرف" لدى وصول قواته (وهذه الأكاذيب تتناقلها منافذ إعلامية أميركية رائدة دون انتقاد).
وهناك مقابلات مع ناجين لا زالوا تحت تأثير الصدمة نتيجة لهجمات بصواريخ كروز أميركية وقنابل عنقودية في جنوب اليمن، كانت قد أسفرت عن مقتل 35 امرأة وطفلاً بعد أسابيع من منح أوباما جائزة نوبل للسلام عام 2009. ونرى الغضب المنتشر على نطاق واسع هناك حول واقع أن الصحافي اليمني الذي كشف مسؤولية أميركا عن الهجوم، عبد الإله حيدر شايع، قد جرى اعتقاله من قبل النظام اليمني، ليس هذا فحسب، فهو لا يزال معتقلاً حتى اليوم تحت الإصرار المباشر للرئيس أوباما.
ونستمع إلى عبد الرحمن العولقي (والد أنور العولقي) قبل أن تقتل الطائرات الموجهة عن بعد التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية نجله، كذلك بعد أسبوعين من قتلها حفيده المراهق، والذي يقر الجميع أن لا علاقة له بالإرهاب. ونسمع حكايات متبجحة عن إعدامات بإجراءات موجزة من قادة حروب صوماليين يجري تمويلهم وتوجيههم من قبل المخابرات الأميركية.
وهناك رسالة واحدة لا لبس فيها تبعث بها تلك الأحداث المختلفة. والرسالة مفادها أنه ينظر لأميركا في المنطقة على أنها التهديد الأكبر، كما ينظر إلى مسألة العدوان الأميركي على أنه السبب الرئيسي الذي يحفز التأييد للتنظيمات المتطرفة ومشاعر العداء لأميركا. يقول نجل قائد الشرطة الأفغاني المقتول إن القرويين يشيرون للقوات الخاصة الأميركية بـ "طالبان أميركا". ويشرح رجل دين يمني جنوبي أنه لم يسمع بمتعاطفين مع القاعدة في بلاده إلا بعد الهجوم الأميركي بصاروخ كروز في عام 2009 وعمليات القتل المتتالية بالطائرات الموجهة عن بعد.
ويوضح أحد قادة الحرب في الصومال أن الأميركيين هم "أسياد الحرب" الذين يشعلون الصراع الدائر. ويتبين أن انتقال أنور العولقي من رجل دين أميركي معتدل ومبشر بالسلام إلى منتقد غاضب لأميركا بدأ مع الهجوم الأميركي على العراق، وتصاعد قوة مع هجمات أوباما بالطائرات الموجهة عن بعد ولائحة الاستهداف بالقتل. وفي المقابل، يظهر المسؤولون والضباط الأميركيون الذين قابلهم طاقم عمل الفيلم عدم مبالاة تنم عن عدائية تجاه ضحاياهم، فيما يجري وضع خطب العولقي التي تزداد غضبا دفاعا عن الجهاد جنبا إلى جنب مع تبريرات مشابهة للحرب المفتوحة الأفق لأوباما.
والأدلة كانت دامغة منذ مدة طويلة بأن الوقود الأساسي لما تطلق عليه أميركا الإرهاب هي سياسات العدوان نفسها التي يجري تبريرها باسم وقف الإرهاب. والقسم الأكبر من الذين تم اعتقالهم في السنوات الأخيرة لتدبيرهم هجمات ضد أميركا أفادوا بأن دافعهم لذلك كان بشكل قاطع العسكرة الأميركية وقتلى الطائرات الموجهة عن بعد.
وإخفاء الضحايا هو المسؤول عن ردود الفعل الأميركية بأعذار مثل "يفترض بنا القيام بشيء ما حيال الإرهابيين" أو "إنه أفضل من الغزو على الأرض"، من دون الإدراك أن السياسات نفسها التي يهتفون لها لا تعمل على وقف الإرهابيين بل العكس تماما، تساعد الإرهابيين الموجودين وتوجد إرهابيين جدداً. ومع ذلك، إذا كان الأميركيون سيدعمون أو حتى يتسامحون حيال عسكرة لا نهاية لها، كما يفعلون منذ مدة، فإنه ينبغي عليهم على الأقل أن يواجهوا ضحاياهم، إذا لم تكن على أرضية أخلاقية فليكن ذلك على أرضية براغماتية من أجل فهم تأثيرات تلك السياسات.
وباعتماد حقيقة "بعيداً عن العين بعيداً عن القلب"، فإن الحكومة الأميركية ووسائل الإعلام كانت ناجحة بشكل مذهل في جعل الضحايا مغيبين وخارج الرؤية. وكل من يرى فيلم "الحروب القذرة" على الأقل، لن يتعجب بعد الآن لماذا يوجد عدد كبير من الناس في العالم ممن يعتقد بمبررات بل بضرورة العنف ضد أميركا.
أدلة قاطعة
توجد أدلة قاطعة على أن من ساهم في تجذير أعداد كبيرة من المسلمين المعتدلين والمسالمين سابقا، الغضب المتزايد من رؤية سلسلة متواصلة من الضحايا الأبرياء، بمن في ذلك الأطفال. والطريقة الوحيدة التي يجري فيها إخفاء هذه الحقيقة الواضحة تتمثل بمنع الأميركيين من المعرفة بها، ناهيك عن عدم سماعهم عن ضحايا العدوان. وهذا الإخفاء هو الذي سبب ذهول عدد كبير من الأميركيين بعد الحادي عشر من سبتمبر.
