الأوضاع هادئة الآن في إقليم هلمند، لكن هل يمكن مغادرة أفغانستان بسلام؟

يتذكر العريف في الجيش البريطاني سري كريشنا غورنغ الأوضاع في إقليم هلمند في صيف عام 2006، فيقول: "إطلاق النار لم يكن يتوقف، والرصاصات كانت قريبة جدا بحيث كان بالإمكان رؤيتها تمر بالقرب مني، وأدركت أنني لو تحركت بوصة واحدة لأصابتني رصاصة".

كان كريشنا مع زملائه في برج مراقبة في قاعدة ناوزاد بإقليم هلمند، بعد فترة وجيزة من نشر حكومة رئيس وزراء بريطانيا توني بلير القوات البريطانية بالإقليم في مهمة تمتد سنتين بهدف إنهاء التمرد المتصاعد ووقف تدفق الهيروين من الإقليم.

انحراف المهمة

والآن بعد مرور سبع سنوات على ذلك، يستعد البريطانيون لمغادرة إقليم هلمند والانسحاب الكامل من أفغانستان السنة المقبلة. وهم يتركون بلادا يعترف وزير الدفاع البريطاني فيليب هامون بأنها "ليست في وضع ممتاز"، في ظل وجود بريطانيا بقدرات "محدودة جدا" على ترك أي نوع من التأثير الدائم على الحياة هناك. فكيف انحرفت المهمة بعيدا عن مسارها إلى هذا الحد؟

كان قائد الجيش البريطاني الجنرال سير ديفيد ريتشاردز قد تولى قيادة القوة الدولية للمساعدة الأمنية (إيساف) في أفغانستان، وكان يرغب في أن تركز القوات البريطانية في إقليم هلمند على استراتيجية "بقعة الحبر" لناحية حماية المدن الكبيرة والسماح للمجتمع المدني في أن يتخذ لنفسه جذورا فيها، وللتنمية أن تأخذ مجراها، لكن "لواء الهجوم الجوي 16" بدلا من ذلك انطلق نحو المناطق النائية. فاشتعل إقليم هلمند وأصبح في غضون سنتين أحد أكثر المناطق عنفا في البلاد، وارتفع إنتاج الهيروين إلى نسبة 53% من إجمالي المحاصيل الوطنية.

ولقد حاربت القوات البريطانية بعناد لكن عددها كان محدودا جدا لصد الأعداد المتزايدة من المتمردين الآتين من ملاجئهم في باكستان، والمناطق التي تمت السيطرة عليها وبكلفة كبيرة في الأرواح في معظم الأحيان، لم يكن ممكنا الاحتفاظ بها بسبب نقص الجنود على الأرض.

تقييم الاستراتيجية

وهذا أدى إلى إعادة تفكير شاملة بالاستراتيجية، فوصلت القوات الأميركية بأعداد كبيرة، وباشر البريطانيون بالقيام بما كان الجنرال ريتشاردز قد حثهم عليه في المقام الأول، وذلك بالتركيز على حماية المدن، وكان هناك أيضا تركيز على مبدأ مكافحة التمرد، وكلام أقل عن تجربة "إيرلندا الشمالية"، ومزيد من التحليل للحرب التي يجري خوضها بالفعل.

واعتبر الانخراط في المجتمع مفتاح الحل، والجنود بدأوا يرون ثمار هذا الأمر.

الرقيب غوبندر غورنغ أصبح موضع ثقة كبيرة من قبل السكان المحليين إلى حد أنهم كانوا يطلبون منه أن يفصل في نزاعاتهم، وقد شرع في خطة خفضت بشكل كبير من عدد الهجمات. يقول: "عرضنا 5 دولارات في اليوم مقابل العمل في المزارع على فترات طويلة الأمد. وبات من مصلحة الناس الآن التأكد من أن المال الذي يحصلون عليه لن يعترض سبيله القتال. وكنا نتعرض لـ 16 هجوما في اليوم، فانخفض الرقم إلى هجوم أو هجومين". وفيما تقلصت هجمات المتمردين على امتداد إقليم هلمند، ظهر نوع آخر من التهديدات أكثر عداوة، تمثل في تعرض القوات الغربية لإطلاق نار من بنادق رفاقهم الأفغان السابقين.

وكان هذا في جانب منه نتيجة للتدافع من أجل استكمال أعداد الجيش والشرطة الأفغانية للوصول إلى 352 ألف عنصر في سبيل تولي المسؤوليات الأمنية والسماح لـ "إيساف" بالانسحاب. ويبقى الجدول الزمني لعمليات إنهاء القتال ساريا، مع قيام القوات الأفغانية الآن بأغلبية العمليات، وطلب مساعدة "ايساف" أحيانا. والفكرة في واشنطن ولندن تقول إن حكومة محمد نجيب الله تمكنت من أن تنجو لخمس سنوات بعد مغادرة الروس، ولم تسقط إلا عندما أغلقت موسكو الدعم الاقتصادي عنها، أما الحكومة الأفغانية التي ستتولى الأوضاع بعد عام 2014، فإنها ستستمر في تلقي التمويل الدولي، ولا يفترض أن تلقى المصير نفسه.

استقرار أفغاني

يقول أحد الضباط البريطانيين إنه كان "متفاجئا للغاية" بوتيرة الانسحاب البريطاني، لكن "أثار إعجابه كثيرا" التقدم المحرز من قبل الجيش الأفغاني.

ويعتقد أن المستقبل سيكون "واقعا أفغانيا" بعيدا عن المفهوم الغربي في بناء الأمم، يقول: "اعتقد أنه سيكون هناك استقرار، وسيكون استقرارا قائما على ما تم تأسيسيه من قبل سماسرة السلطة في المجتمع الأفغاني، وشيوخ القبائل، وأصحاب الأراضي، والمتمردين المعاد دمجهم في المجتمع، إلى جانب بارونات المخدرات في بعض المناطق". ومن جهته، شدد قائد القوات البريطانية في إقليم هلمند اللواء بوب بروس على أن القوات الأفغانية قادرة كليا على تولي الحملة.

 

تولي المسؤولية

أكد قائد القوات البريطانية في إقليم هلمند اللواء بوب بروس: "نعلم أنه لا يوجد حل عسكري في افغانستان، ودور العسكر هو إبعاد العنف عن الناس لكي تكون لهم الحرية والمساحة والوقت الكافي للنظر في العرض الذي تعرضه عليهم الحكومة، وبإمكانهم موازنة هذا العرض في مقابل ما يعرضه المتمردون و يقررون بناء على ذلك. وعندما يقرر الأفغان ينتهي الأمر وتغلق المنافذ أمام التمرد".

وشدد بروس على أن القوات الأفغانية قادرة كليا على تولي الحملة، فقال: "نحن بكل تأكيد نصب اهتمامنا على نهاية 2014" مضيفا "وجدنا أنهم أصبحوا يتقنون عملهم، وبالتالي تمكنا من تخفيض ظهورنا إلى حد الكف عن القيام بنوع العمليات التي كنا نقوم بها منذ 12 شهرا". أما العريف في الجيش البريطاني سري كريشنا غورنغ فيرى أن الوضع هادئ جدا الآن، وهو مسرور لأن الأمر يشارف على النهاية.