تطلق وسائل الإعلام الاجتماعي التي شكلت نافذة العالم على سوريا في السنتين الماضيتين الصرخات قائلة: "ماذا تنتظر أيها الرئيس أوباما؟". ويسأل الثوار ومؤيدوهم الذي يتعرضون يوميا لضربات صواريخ الرئيس السوري بشار الأسد وطائراته: "هل تحتاج إلى مزيد من الأدلة؟"

 حتى البيت الأبيض يعترف الأن أنه إلى جانب أدوات الحرب تلك، أضيفت الأسلحة الكيميائية على الأرجح، تلك الأسلحة التي كانت "الخط الأحمر" للرئيس الأميركي باراك أوباما، والتي سوف يطلق استخدامها في النهاية تدخل القوة الأميركية.

فهل حان الوقت أخيرا لكي تتحرك أميركا وحلفاؤها بإرسال طائراتهم وإعلان منطقة حظر طيران؟

لا يبدو الأمر كذلك، وذلك يعود إلى صرخات مقابلة من الغرب تقول: "إنها العراق مرة أخرى". وفيما قادة العالم يشعرون بتعاطف قوي مع الشعب السوري، إلا أن ناخبيهم متعبون من الحرب ومن الركود ومن السياسة.

انعطافه كاملة

وأخيرا، قامت إدارة أوباما بانعطافه كاملة ملحوظة. فقد شكك أعضاء الإدارة على مدى عدة أيام بتقارير تؤكد استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا. بريطانيا وإسرائيل زعمتا أن لديهما "أدلة موثوق بها" بان نظام الأسد استخدم عامل الأعصاب القاتل "سارين" على خصومه.

والاختبارات على النماذج المأخوذة إلى مختبر العلوم التابع لوزارة الدفاع البريطانية في بورتون داون، وضعت إلى جانب أفلام الفيديو المؤثرة التي تظهر شبان وشابات وقد نقلوا إلى المستشفيات، والرغوة تتصاعد في أفواههم.

لكن وزير الدفاع الأميركي تشاك هاغل الذي كان في جولة في الشرق الأوسط قال: "الشكوك شيء والأدلة شيء آخر". وقال أن وكالات الاستخبارات الأميركية "لا زالت غير مقتنعة".

لكن لاحقا في اليوم نفسه، غير البيت الأبيض رأيه وقال في رسالة إلى مجلس الشيوخ الأميركي: "يقدر مجتمعنا الاستخباراتي بدرجات متفاوتة من الثقة أن يكون النظام السوري قد استخدم الأسلحة الكيميائية على مستوى محدود في سوريا، لاسيما غاز السارين".

وتبين أن البنتاغون كان يجري اختباراته على نماذج أخرى وتوصل إلى الاستنتاج نفسه. فقال هاغل: "التوصل إلى هذا الاستنتاج" اتخذ في اليومين الأخيرين، في محاولة على ما يبدو للتغطية على مواقفه السابقة، وإن بشكل قد لا يكون مقنعا.

فقد أخذت أميركا على حين غرة بتصريحات حليفيها العسكريين الأقرب إليها. والاختلاف في المواقف كان أمرا محرجا إلى حد بعيد في الوقت الذي يحاول الغرب بناء جبهة متحدة في سياساته تجاه سوريا من أجل الظهور بمظهر القوي والواثق أمام الرئيس الأسد. لذا قام البريطانيون بنشر بيان، اكدوا فيه ما قاله وزير الخارجية وليام هيغ بشأن "الأدلة الموثوق بها". وكان الغرض من البيان، فيما يتعلق بالتنسيق مع واشنطن، الاقتراب أكثر من موقفها حيث جاء في البيان: "المعلومات التي لدينا مقنعة لكن ليست كافية لتحديد مرتكب الجريمة".

وكانت هذه معالجة أنيقة للموقف، حيث أنها تجنب أوباما الإحراج وهو الذي انتخب على أساس سحب القوات من الشرق الأوسط. أما بالنسبة لكاميرون الذي كان سعيدا في القول أخيرا إنه "من غير المرجح" أن يلتزم بإرسال قوات في سوريا، فقد أصبح بإمكانه استخدام التصريحات تلك لجعل الاتحاد الأوروبي يرفع حظر الأسلحة عن سوريا.

وسياسيا، يعد هذا الوضع مفيدا للطرفين، لكنه بالكاد يرضي الشعب السوري المحاصر، الذي يرغب قسم كبير منه في مجيء أوباما لإنقاذه.

يقول العضو السابق في المجلس الوطني السوري المعارض عمرو العظم: "الإدارة مرتبكة، واعتقد انهم سوف يحاولون المماطلة ربما بقرار من مجلس الأمن، وهذا القرار سيفشل وسيظهرون قلقهم حيال الأمر دون القيام باي شيء. وعلى الرغم من أن الأدلة واضحة، إلا أنه من الواضح أيضا أن أميركا ترغب بانتقال سياسي وليس عسكري".

غياب الحزم

وكانت أميركا في العراق سابقا في عام 1989، حين انعقد مؤتمر القوى الغربية في باريس لتقييم الأدلة بشأن استخدام الرئيس العراقي السابق صدام حسين للأسلحة الكيميائية. ولقد قدمت أدلة ملموسة بما في ذلك رقائق من الطلاء الخاص بأغلفة القذائف. لكن المؤتمر رفض حينها تسمية العراق كمرتكب للفعل وفضحه.

ويصعب توقع أن يظهر المجتمع الدولي المزيد من الحزم الآن. فمعظم خبراء الأسلحة الكيماوية يتفقون بأن أعلى مقاييس الإثبات لم تتحقق.

والمسؤولون يتكهنون بأن أشكالا "مخففة" يمكن أن تكون قد استخدمت.

وتقدم الخبيرة في مجال الأسلحة النووية في مركز جيمز مارتن بواشنطن أيمي سميثسون، تفسيرا مبسطا للأمر، فتقول: "الأسلحة الكيميائية تتحلل عندما لا يجري حفظها بشكل مناسب". لكنها توافق أنه يمكن أن تكون هناك تفسيرات أخرى للأمر جديرة بالتصديق.

فهذه يمكن أن تكون قد أتت من مخازن صناعية أو كيميائية أخرى (وهذا الأمر يصبح اقل ترجيحا إذا كان غاز السارين)، ويمكن أن يكون الثوار قد حصلوا عليها ونشروها من اجل الضغط على أميركا للتحرك.

والعوارض الظاهرة في أفلام الفيديو، كالرغوة في الأفواه وغيرها، قد تكون نتيجة أي عدد من الكاشفات الكيماوية، والاهم بنظرها هو أن مفتشي الأسلحة يرغبون في السيطرة على "تسلسل العهدة" في أخذ العينات ونقلها بأنفسهم، بدلا من الاتكال على وسطاء.

يقال إن السياسيين كانوا عازمين لتجنب تكرار أخطاء غزو العراق عام 2003، و"المستنقع الأفغاني"، ومشاهدة دكتاتور آخر من الشرق الأوسط يستخدم أسلحة الدمار الشامل ضد شعبه. وللمفارقة فإن سياستهم تخاطر بدفعنا نحو تكرار تلك التجارب كلها من جديد.

بأسلحة كيماوية أو بدونها، آن الأوان بالتأكيد لتغيير في المسار.

 

طغيان

قد يكون السياسيون على حق، فمع كل المآسي يبقى التدخل مبكرا. لكن بالنسبة لأولئك الذين أجبروا على رؤية سوريا تتفكك، فإنه من المؤلم أن يقفوا متفرجين. يقول أحد المحللين الدبلوماسيين من مؤسسة الخدمات المتحدة الملكية إن الرئيس الأسد قد يكون يختبر "الخطوط الحمراء" للغرب.

لكنه يقول إن ما يأمل أن يكسبه الأسد بالمخاطرة بتدخل غربي يبقى أمرا محيرا، ذلك أنه إذا دفع أميركا نحو قيادة رد الفعل الغربي على الأزمة، فإن النظام السوري يكون قد وقع على أمر الإعدام بحق نفسه. وهذا الجدل يظهر إلى أي حد ردود أفعالنا على الصراع تمليها تجاربنا السابقة في الحروب.