بعد مرور عشر سنوات على الهجوم الأميركي على العراق يبقى السؤال: هل كان الرئيس الأميركي جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير كاذبين ماكرين، بمزاعمهما المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل؟ أم كانا أحمقين؟

وللإجابة عن هذا السؤال يمكن الاستعانة بحرب أخرى، وهي حرب فيتنام، للإشارة إلى أن الولع بالقتال يعوض بدرجة كبيرة عن النقص في المعلومات الاستخبارية الذي عانى منه القادة الأميركيون.

وفي حادثة وقعت في موسكو تعد وثيقة الصلة بما يحدث اليوم في كوريا الشمالية، وتسلط بعض الضوء على زاوية غامضة في تاريخ المواجهة بين القوى العظمى، فقد حذر وزير الخارجية الأسترالي بول هاسلوك خلال لقاء جمعه مع رئيس الوزراء السوفييتي ألكسي كوسيغين ووزير الخارجية أندريه غروميكو عام 1964، من خطر عدوان صيني دولي.

وكان معروفا الكيفية التي يهدد بها الصينيون سيطرة موسكو على سينكيانغ وإقليمها في أقصى شرق سيبيريا، وكانوا يستخدمون هانوي لغزو جنوب فيتنام وللضغط أبعد داخل آسيا مشكلين تهديدا مباشرا لأستراليا. قال هاسلوك إنه يجب أن ينضم الاتحاد السوفييتي إلى أستراليا والولايات المتحدة في فيتنام، ويستخدم قوته لوضع حد لطموحات الصين العدوانية.

سوء تفاهم

لكن اللقاء سرعان ما انتهى بسوء تفاهم كبير، حيث قاطعه كوسيغين قائلا إن سيكيانغ تعد أراضي صينية منذ فترة طويلة، والصينيون لم يطالبوا بأراض روسية في أقصى الشرق، كما قال بشأن فيتنام إن موسكو ترفض استخدام "القوة" لحل المشكلات الدولية، وأنه يرغب أن يذكر بوضوح أن الاتحاد السوفييتي سيقف دوما إلى جانب الشعب الفيتنامي الشجاع المقاوم للعدوان الإمبريالي الأميركي، وانه يتمنى فقط لو يقوم الصينيون بالمزيد على سبيل المساعدة.

وحتى بعد أن اصبح واضحا أن بكين وهانوي لا يكنان الإعجاب لبعضهما، وأن الصين كانت تمنع مرور مواد الترانزيت السوفييتية إلى هانوي، واصلت كانبيرا التحذير من "العدوان الصيني".

ثم في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" عن بدايات حرب العراق، القى بلير باللائمة على التفكير الجماعي ورغبة الجميع في التوصل إلى التوافق والانسجام.

وهذا أيضا يشكل عاملا آخر. وما أن يحدد القادة الغربيون دولة غير محظوظة على أنها العدو المتصور، سرعان ما يلتحق البيروقراطيون الساعين للنفوذ والسياسيون ومراكز الأبحاث والنقاد في وسائل الإعلام بالإضافة إلى أصناف من العسكريين والصناعيين الحريصين على الحصول على ميزانيات أكبر، للمساعدة في تشويه صورة العدو.

وخلال اجتماع موسكو، تم تشويه صورة الصين بشكل كبير، على الرغم من أنه كان في سدة الحكم في تلك الفترة معتدلان مثل شو إن لاي ودينغ هسياو بينغ يحاولان ببساطة كبح الهجمات الأميركية وإصلاح الضرر الذي تسببت به سياسة ماو الحمقاء "القفزة العظيمة إلى الأمام". واتهام الصين بأنها ترغب في السيطرة على العالم كانت جزءا من سيناريو شيطاني لتشويه الصورة.

مسار مشابه

وحاليا، نرى مسار التشويه نفسه يسير في كوريا الشمالية، وفيما لا يستحق هذا النظام التعاطف على إفقار شعبه وقمعه له، إلا أن كل من التقى بقادته يوافق على انهم يتحدثون ويتصرفون بعقلانية.

في عام 1994 تحت تهديد ضربة جوية أميركية وشيكة، وافق قادة كوريا الشمالية على إنهاء برنامجهم النووي الوليد في مقابل شكل من الاعتراف الأميركي. لكن أميركا سرعان ما تراجعت عن وعدها، قائلة إن نظام كوريا الشمالية على وشك الانهيار. فعادت بيونغيانغ على إثر ذلك إلى استعداداتها النووية، ليجري استهدافها من قبل أميركا كجزء من "محور الشر".

ومنذ ذلك الحين، كانت كوريا الشمالية تشير غالبا إلى العراق كمثال لما يحدث لدولة "محور الشر" من دون أسلحة تدافع فيها عن نفسها. وتقول إنها ما زالت مستعدة لوقف التطوير النووي إذا كان بإمكانها الحصول على هذا الاعتراف الأميركي الذي وعدت به في إحدى المرات.

ويستمر هذا التشابه مع وضع الصين في أوائل ستينات القرن الماضي. فقد هددت أميركا بكين بشن هجمة نووية ثلاث مرات في خمسينات القرن الماضي، مرة حول كوريا ومرتين بشأن الاستيلاء على الجزر البحرية التي يسيطر عليها خصمها نظام تايوان.

وبوعد من مساعدة سوفييتية، انطلقت في تطوير ردعها النووي، الذي حققته في أكتوبر 1964، قبل فترة وجيزة من اجتماع موسكو. وخوفا من ضربة أميركية استباقية بدأت الصين أيضا بإطلاق أصوات مولعة بالقتال، بما في ذلك الزعم أنها قد تخسر مئات الملايين في حرب نووية، ومع ذلك ستنجو.

وتلك الأصوات كانت تستخدم بعد ذلك من قبل الذين يشوهون السمعة للبرهان على أن الصين فعلا كانت دولة مسعورة وخطيرة وتستحق أن تهاجم. وخوفا من مواجهة مع أميركا حول قضية تايوان، سحبت موسكو وعدها بالمساعدة النووية إلى بكين في عام 1959.

ولقد رد الصينيون بسيل من الإهانات المناهضة لموسكو، متهمين السوفييت ببيع قضية الشيوعية إلى العدو الأميركي. وهذا بدوره تم استغلاله من قبل مشوهي الصورة في واشنطن وكانبيرا للبرهان على أن الصينيين كانوا شيوعيين سيئين، عازمين على العدوان في العالم، وأن لجمهم يجري فقط من قبل الشيوعيين الجيدين في موسكو. وهنا تأتي زيارة هاسلوك المستعجلة إلى موسكو في محاولة لإقناع السوفييت بالانضمام إلى تلك الجهود في فيتنام.

والعاملون على تشويه صورة الخصم لا ينامون أبدا. والأوهام نفسها يتم تلفيقها يوميا تقريبا حول كوريا الشمالية التي ترغب فقط في حماية نفسها من تهديد آخر لضربة أميركية، فيما هي تمضي في عملية إعادة ترميم اقتصادها المدمر.

 

درء الهجمة

من المؤكد أن الأصوات المولعة بالقتال والوعيد التي نسمعها اليوم من كوريا الشمالية مصممة لدرء هجمة استباقية شبيهة بتهديد عام 1994. لكن بالنسبة إلى الذين يعملون على تشويه السمعة، فإنها برهان على أن كوريا الشمالية هي مسعورة ومولعة بالقتال ومدمنة على "الاستفزازات" وتستحق أن تهاجم أو على الأقل أن تلجم بقوة.

وهم لا يقولون شيئا عن الولع بالقتال البادئ في كل هذا، أي التهديد الأميركي بمهاجمة كوريا الشمالية عام 1994. يقولون لنا إن دعوات بيونغيانغ للتحدث إلى أميركا هي مجرد خطة لجعلنا نتخلى عن حذرنا، وغيرها من أمور.