ليس من المفاجئ في سلوك كوريا الشمالية التهديدي سوى أن الأميركيين يتفاجأون كثيرا عندما تثير تلك الدولة المثيرة للمتاعب مجددا. وهم يتساءلون عما إذا كان الزعيم كيم جونغ أون مصابا بجنون العظمة كوالده.
ولكن كيم يتصرف ببساطة على نحو يحقق النتائج التي يتوقعها من أسلوب ابتزاز عالمي ناجح، يبدأ بالتهديدات، وينتقل إلى المفاوضات، ويعود على كوريا الشمالية بالمنافع الاقتصادية والسياسية، ثم يتكرر بعد أن تزدري بيونغيانغ الاتفاقات.
والسبيل للخروج من هذه المعضلة هو أن تجرب الولايات المتحدة موقفا أكثر حزما يعطيها المبادرة ويفاجئ كوريا الشمالية، وذلك، على سبيل المثال، من خلال تحذير بيونغيانغ من إجراء وقائي سيتخذ في حال وجد الأميركيون وحلفاؤهم أنفسهم عرضة للتهديد.
وبالطبع، فإن وضع كوريا الشمالية في موقف دفاعي لن يجمد، في حد ذاته، برنامجها النووي أو يجلب السلام الدائم إلى شبه الجزيرة الكورية. إلا أنه سيضع الولايات المتحدة في موقف أقوى بكثير لتحقيق هذين الهدفين.
وتعد أحدث الاحتياطات العسكرية المتخذة من قبل واشنطن مفيدة إلى حد ما. ومن المرحب به أيضا أن الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية تعتزمان، حسب تقارير، الرد "بالمثل" على أي استفزازات عسكرية من جانب كوريا الشمالية. ومع ذلك، فإن هذه الخطوات، نظرا لأنها تفاعلية ومتناسبة، لن تقطع شوطا كافيا لتغيير سلوك بيونغيانغ.
ينبغي لإقدام كيم على تصعيد التوترات أن يقنع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية بأن الزعيم الجديد لديه أهداف والده، كيم جونغ إيل، وسوف يكرر دورة التهديدات. إذ يريد كيم الشاب، كما أراد سلفه، أن يظهر القوة والاستقلالية رغم الاعتماد الاقتصادي على الدول المجاورة. كما يريد أن يثبت للزمرة الحاكمة تصميمه على الوقوف في وجه الخصوم.
لقد دأبت الإدارات الأميركية المتعاقبة على اتباع النهج الأخلاقي، باحثة عن تنازلات متبادلة لتعزيز الاستقرار في شبه الجزيرة الكورية. وبالفعل، فقد ساهم هذا النهج في الحفاظ على سلام هش. إذ إنه منح الولايات المتحدة قدرة على الوصول إلى نظام غامض، وسمح لها بمعالجة مشكلات صعبة تتعلق بالسياسة الخارجية في أماكن أخرى.
غير أن المفاوضات السابقة لم تسفر، للأسف، سوى عن تقييد استفزازات بيونغيانغ بصورة مؤقتة، وقد أصبحت سلبياتها أكثر وضوحا في السنوات الأخيرة.
وبما أن واشنطن تعلق أهمية كبرى على تحقيق الاستقرار من خلال الحوار، فقد فقدت كلماتها التحذيرية قوتها بمرور الوقت، بل وربما أضحت تشير للعجز بالنسبة لبيونغيانغ.
والأسوأ من ذلك هو أن كوريا الشمالية باتت تستغل الإيثار الأميركي في المفاوضات للحصول على المساعدات والاعتراف السياسي الفعلي، في ظل تجاهل أو انتهاك شروط الاتفاقات.
ولوضع حد لهذا، ولتحقيق استقرار حقيقي في شبه الجزيرة الكورية، فإنه يتعين على الولايات المتحدة أن تجد سبلا لإخبار كيم سرا وبعبارات واضحة أن الأمور مختلفة الآن، نظرا لادعاء كوريا الشمالية أنها لن تلتزم بالهدنة التي أوقفت الحرب الكورية قبل 60 عاما، وأنها في حالة حرب مع كوريا الجنوبية.
وينبغي للرسالة أن تشير أيضا إلى أن الولايات المتحدة ستدافع عن نفسها وعن حلفائها حتى لو اضطرت لاتخاذ إجراءات وقائية ضد أي تحركات عسكرية تشعرها بأنها مهددة. ويجب على واشنطن أن تظهر التزامها بإنهاء ما بدأته من خلال القيام، على سبيل المثال، بدوريات جوية وبحرية قريبة، تتضمن التحليق فوق كوريا الشمالية.
وفي حال أظهرت الولايات المتحدة تصميمها، فإنها ستثير اهتمام كوريا الشمالية وتضعها في موقف دفاعي. وهذا ما حدث في أغسطس 1976. حيث اتخذ الرئيس الأميركي الأسبق جيرالد فورد الخطوة غير المعتادة المتمثلة في وضع القوات الأميركية في حالة تأهب قصوى في المنطقة ردا على اغتيال كوريا الشمالية لضابطين في الجيش الأميركي في المنطقة منزوعة السلاح التي تفصل بين الكوريتين الشمالية والجنوبية. فسارعت بيونغيانغ إلى التراجع.
ويرجح لتحول دبلوماسي أميركي كهذا أن يفاجئ الصين، حليفة كوريا الشمالية ومساعدتها الرئيسية، ويدفعها إلى التصرف والتحرك ضد بيونغيانغ كما لم تدفعها أي مناشدة دبلوماسية أميركية حتى الآن. وبالإضافة إلى ذلك، فإنه من شأن كوريا الجنوبية واليابان أن تجددا ثقتهما في الالتزام الأميركي الأمني، ومن شأن دول آسيوية أخرى أن تنظر إلى واشنطن على أنها شريك موثوق في وقت تخشى فيه الحزم العسكري الصيني في المنطقة.
ولا يخلو النهج الأكثر صرامة من المخاطر. فقد يعتقد كيم جونغ أون أن واشنطن تخدعه، فيتصرف بتعال ردا على ذلك، ويشن حربا عن غير قصد أو غير ذلك.
ويتعين على الولايات المتحدة أن تقبل بهذه المخاطر قصيرة الأجل، وتكون على استعداد للرد بقوة، إذا كانت تأمل في وضع حد لدورة السلوك الاستفزازي، وتحقيق استقرار طويل الأجل في شبه الجزيرة الكورية.
وليس هناك من شيء يخشاه زعماء كوريا الشمالية أكثر من خشيتهم لأن تصب الولايات المتحدة كامل تركيزها عليهم بقصد إلحاق الضرر بهم. عندما غزت الولايات المتحدة العراق في عام 2003، بعد تصنيفها وكوريا الشمالية على أنهما تمثلان "محور الشر"، اختفى كيم جونغ إيل بقصد الاختباء لما يقرب من شهرين. يجب على واشنطن أن تتذكر هذا الدرس الآن.
دوافع أنانية
من المرجح أن كيم جونغ أون، الذي يبلغ من العمر 30 عاما، تعلم من والده أن المحادثات الثنائية مع واشنطن تحمل أهمية قصوى، تتمثل في اعتراف أميركا الضمني بكوريا الشمالية على أنها قوة نووية، مما يظهر لجميع الكوريين أنه الزعيم الرئيسي الأوحد الذي يحدد مستقبل شبه الجزيرة الكورية مع إحدى القوى العظمى. وتظهر هذه الدوافع المتسمة بالأنانية أن قادة كوريا الشمالية السياسيين والعسكريين لا يبالون جوهريا بأن يحظوا بعلاقات طبيعية مع الولايات المتحدة. وفي حقيقة الأمر، فإنهم يخشون أن يعني التطبيع والانفتاح نهاية نظامهم.
