اتخذت الولايات المتحدة، أخيرا، الخطوة النادرة المتمثلة في تأجيل اختبار صاروخ باليستي عابر للقارات قبالة سواحل كاليفورنيا، ولم يكن ذلك لأسباب فنية أو تتعلق بالطقس، وإنما لتجنب تأجيج مزيد من التوترات مع كوريا الشمالية. وعلى نحو مؤسف وربما متوقع، فقد أنتجت تلك الخطوة، إن كانت قد أنتجت أي شيء، أثرا معاكسا.

فخلال الأيام القليلة الماضية، أبلغت سلطات بيونغيانغ السفارات الأجنبية بأن ضمان سلامة دبلوماسييها لم يعد أمرا ممكنا، كما أغلقت منطقة "كايسونغ" الصناعية المشتركة التي تديرها مع كوريا الجنوبية إلى الشمال مباشرة من الحدود، على الرغم من أن هذه المنطقة تمثل، بالنسبة للنظام الكوري الشمالي، واحدا من بضع مصادر مشروعة للعملات الأجنبية التي تمس الحاجة إليها.

ومنذ فترة وجيزة، ذهبت كوريا الشمالية إلى أبعد من ذلك، فنصحت الأجانب المقيمين في كوريا الجنوبية بأن يغادروا البلاد، أو يجازفوا بعيش صراع "نووي حراري"، وحرب "انتقامية، مقدسة، عديمة الرحمة، وشاملة".

ويمثل تهديد كهذا، بطبيعة الحال، تصرفا عاديا بالنسبة لكوريا الشمالية، ويمكن تقديم حجة من نوع ما لتبرير سلوكها الارتيابي. إذ ترى هذه الدولة نفسها تحت تهديد دائم. وهي تعتقد أن الغرب، وفي مقدمته واشنطن، لا تبدي لها الاحترام الذي تستحقه قدراتها النووية.

وتظهر هذه المخاوف دائما وبشكل خاص خلال المناورات المشتركة التي تجرى كل ربيع من قبل كوريا الجنوبية وحليفتها وحاميتها، الولايات المتحدة.

وبالنظر إلى التهديدات والإهانات اليومية من جانب بيونغيانغ، فقد كانت البنتاغون على حق في وضعها مدمرات مضادة للصواريخ إضافية في المنطقة. ولكنها، بالعودة إلى الماضي، لم تكن حكيمة في إرسالها لقاذفتين من طراز "بي 2" من ميسوري في مهمة ذهاب وإياب فوق شبه الجزيرة الكورية، الأمر الذي مثل استعراضا استفزازيا لقوة عسكرية ليس لها مثيل.

ولا أحد يعرف ما سيحدث الآن. إذ لا توجد دلائل على تحركات جنود أو أي تصرفات أخرى من شأنها أن تشير إلى هجوم وشيك، فيما تبدو التقارير عن مؤشرات إلى استعدادات لتجربة نووية أخرى غير صحيحة.

ومع ذلك، فإن الآونة المقبلة ستشهد ذكرى ولادة كيم إيل سونغ، وهو مؤسس النظام الكوري الشمالي الذي تصفه آلته الدعائية بالرئيس "الأبدي". وعادة ما تفعل بيونغيانغ شيئا للاحتفال بهذه المناسبة. فهل سيكون هذا الشيء اختبارا صاروخيا في العام الجاري، أو أسوأ من ذلك؟

تعد هذه الأزمة أخطر الأزمات الكورية، وأصعبها فهما إلى حد بعيد، نظرا لأن الولايات المتحدة وكوريا الشمالية وقفتا على شفا حرب في عام 1994 بسبب برنامج بيونغيانغ النووي. ونحن لا نعرف من المسيطر: حفيد كيم الشاب وغير المجرب كيم جونغ أون، أو زمرة من الجنرالات، أو بعض أقاربه.

ومن جهة أخرى، فقد دخلت رئيسة كوريا الجنوبية بارك كون هيه سدة الحكم منذ 6 أسابيع فقط، وهي تتعهد بعدم تبني سياسة تقوم على الكلام الأجوف حيال بيونغيانغ. ولا تفقد الصين، الحامية التقليدية لكوريا الشمالية، صبرها على محميتها فحسب، ولكنها تفقد أيضا تأثيرها على بيونغيانغ. وفي ظروف كهذه، يمكن لأي سوء تقدير، مهما كان صغيرا، أن يسبب كارثة.

وأفضل تفسير لسياسة حافة الهاوية المتبعة من قبل كوريا الشمالية هو أن هذه الدولة تتوق إلى أن تؤخذ على محمل الجد، وهو توق يعززه غضب بشأن حقيقة أن التصرفات التي أدت في وقت من الأوقات إلى تنازلات من جانب الغرب، لم يعد لها مفعول الآن.

فكوريا الشمالية، بعيدا عن دفع الولايات المتحدة وحلفائها للعودة إلى المحادثات المتوقفة منذ فترة طويلة بشأن برنامجها النووي، حصلت من اختبارها النووي الأخير على عقوبات أممية أكثر صرامة، لم تفعل الصين شيئا لمنعها، علاوة على استعراض لقاذفتين من طراز "بي 2".

 

لفت للانتباه

حذر وزير الدفاع الكوري الجنوبي من أن كوريا الشمالية قد تطلق صاروخا نوويا "في أي وقت"، نظرا لأن بيونغيانغ قد انتهت من التحضيرات النهائية لاختبار أسلحة نووية.

وتأتي دعوة كوريا الجنوبية مواطنيها إلى التهيؤ لهجوم "وشيك" في ظل استعداد بيونغيانغ للاحتفال بذكرى ولادة كيم إيل سونغ. وتمثل هذه الذكرى، وهي عطلة وطنية هامة، وقتا تسعى فيه هذه الدولة الشيوعية المنعزلة إلى لفت انتباه العالم من خلال استعراض دراماتيكي لقوتها العسكرية.

ففي العام الماضي، شهدت الأيام المحيطة بمئوية كيم إيل سونغ استعراضات لدبابات وجنود وصواريخ، إلى جانب محاولة فاشلة لإطلاق صاروخ يحمل قمرا اصطناعيا، وهي المحاولة التي تعتقد الولايات المتحدة وحلفاؤها في الغرب أنها كانت عبارة عن اختبار لقدرات صاروخية باليستية.

ونجح اختبار آخر أجري في ديسمبر 2012، تلاه اختبار نووي ثالث في 12 فبراير الماضي.