في انعطافة تعد الأكثر دراماتيكية لتاريخه، قال رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في أواخر ديسمبر الماضي إن حكومته تجري مباحثات مع زعيم حزب العمال الكردستاني، عبدالله أوجلان، الذي يقبع في السجن منذ إلقاء القبض عليه في عام 1999، وقيل إن صفقة مبدئية كانت قد عقدت بين أوجلان ورئيس الاستخبارات التركية هاكان فيدان، يمكن أن تمهد الطريق لمعاهدة تاريخية بين الأتراك والأكراد.

وفيما يصرخ منتقدو أردوغان بأن وحدة الجمهورية على المحك، يرى الأكراد الأتراك، الذين حارب أجدادهم إلى جانب أتاتورك، ليروا العهود بالحكم الذاتي وقد نقضت، وهويتهم وقد قمعت بوحشية، أن العدالة قد تحققت أخيرا.

والخطوط العريضة للاتفاق متضمنة في رسائل نقلها حزب السلام والديمقراطية التركي المؤيد للأكراد من أوجلان إلى قادة الثوار في المنطقة التي يسيطرون عليها في شمال العراق، وإلى أوروبا.

والصفقة طموحة لكنها تتسم بالبساطة، وتنص على تخلي حزب العمال الكردستاني عن قتاله الذي دام 29 عاما في مقابل الحكم الذاتي، حيث يقول أوجلان نفسه إنه يفضل الآن دولة وحدوية، وذلك في مقابل تمرير البرلمان الذي يهيمن عليه حزب العدالة والتنمية التابع لأردوغان إصلاحات تمكن الأكراد من السعي وراء أهدافهم السياسية من دون المخاطرة بالسجن، واطلاق سراح ألوف الناشطين المسجونين لأتفه الأسباب.

وفي إطار هذه الصفقة، سيحل مكان الدستور الحالي الذي وضعه الجنرالات في أعقاب انقلاب عسكري في عام 1980، دستور "ديمقراطي بالكامل"، دستور يخاطب مطالب الأكراد، حيث ستلغى المادة التي تقول إن كل مواطني تركيا "هم أتراك"، كذلك ستلغى مادة أخرى تحرم التعليم باللغة الكردية، ويعزز الحكم الذاتي الإقليمي أيضا.

ويؤكد محضر الاجتماعات بين أوجلان وحزب الاستقلال والديمقراطية أن موضوع الرئاسة كان حاضرا على طاولة المفاوضات. وللتأكد من عدم قيام الراغبين في استخدام مئات المسلحين من حزب العمال الكردستاني الموجودين داخل تركيا، وفي سوريا أيضا، من القيام بذلك، فقد شدد أردوغان على انسحابهم إلى شمال العراق. وفي حال أوقف الجيش بدوره هجماته التي تتواصل كجزء من سياسة "الجزرة والعصا" لأردوغان، فإنه قد يترتب على ذلك إحلال للسلام أخيرا.

الجزء الصعب

والجزء الصعب يكمن في قبول الأتراك والأكراد البسطاء بالصفقة. وتشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى أن معظمهم يدعم المباحثات، وان الأغلبية تدعم حزب العدالة والتنمية التركي أيضا. لكن إلى أين سيصلون في دعمهم، واستبداد أردوغان الفظ هو ما يقلق نسبة كبيرة من الأتراك.

كما أن تركيا أصبحت السجان الأول للصحافيين في العالم، وكثير منهم من الأكراد. لكن داعمي أردوغان يردون على هذا بالقول إن التقدم الذي أحرزته تركيا في العقد الماضي، بما في ذلك تقويض سلطة الجيش وبدء مباحثات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، يعود لشجاعة أردوغان ولحكم حزب العدالة والتنمية المتواصل، ويرون أن نظاما رئاسيا فقط يمكنه تفادي حالة الشلل التي تحملتها تركيا قبل وصول حزب العدالة والتنمية.

وكما يقول سياسي كردي، فإن رئاسة أكثر قوة ليست ثمنا مرتفعا مقابل دستور جديد سيشكل نقطة انطلاق إلى المزيد من تفويض السلطات لمستويات محلية. ومشكلة الأكراد الحقيقة تكمن في غياب الثقة نتيجة لعقود من القمع والخيانة على يد ما يرونه دولة تركية لا يطرأ عليها تغيير.

وفي المقابل، يفيد سجل أردوغان أن لديه المهارة والشجاعة لشفاء تركيا من جرحها الأكبر، واحتضانه الجريء للأكراد العراقيين كان ضمن تحركات السياسة الخارجية الأكثر نجاحا. وفي حال قبل أردوغان الآن بالرئاسة بسلطاتها الحالية، فإنه يكون قد قطع شوطا طويلا في تهدئة الشكوك بشأن دوافعه، وفسح المجال لدستور لا يتبناه الأكراد فحسب، وإنما الأتراك من مختلف مشاربهم السياسية والعرقية.

 

الطموح الرئاسي

يهدد الصراع في سوريا بالتدفق عبر الحدود، مع ازدياد قوة المجموعة الكردية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني على الأرض. والسلام مع الأكراد يعد أمرا ضروريا إذا أريد لتركيا أن تحقق أحلامها بقيادة إقليمية. يقول غالب انصاريغلو، النائب من ديار بكر عن حزب العدالة والتنمية التركي: "الحياة السياسية لرئيس الوزراء التركي هي على المحك، وهو صادق بالكامل", لكن ليس الجميع مقتنعا بذلك.

البعض يعتقد أن صفقة مع الأكراد هي مجرد تكتيك لمساعدة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في ضمان طموحه أن يصبح الرئيس التركي المنتخب الأول عندما يتنحى الرئيس التركي عبدالله غول في السنة المقبلة.

وهو يريد تعزيز سلطات الرئاسة التي يقول منتقدوه إنها قد تجعل منه ديكتاتورا. ومع تصدي أحزاب المعارضة الرئيسية له بشكل حازم، فقد ذهب أردوغان باتجاه خطب ود حزب السلام والديمقراطية، الذي دعمه سيتيح له الفوز بموافقة البرلمان التركي على دستور جديد يطرح للاستفتاء.