قد تظهر سوريا محدودية الدرس الذي تعلمه بعض القادة السياسيين الأميركيين ،على امتداد 10 سنوات من القتال في العراق وأفغانستان، حيث تجاهل قرع الطبول المكثف في الكابيتول هيل أخيرا من أجل التدخل العسكري الأميركي في الحرب الأهلية في سوريا الآثار طويلة الأمد المترتبة على ما يقترحه المشرعون.
وتزامن الأمر مع قيام السناتور الجمهوري عن أريزونا جون ماكين، الذي يعد المحرض الرئيسي على التدخل في سوريا، في الوقت نفسه بالحديث عن الأخطاء المرتكبة في العراق.
دعوات للتدخل
وماكين، إلى جانب السناتور الديمقراطي عن ميتشغان ورئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ كارل ليفين، طالبا الرئيس الأميركي باراك أوباما "بإضعاف القوة الجوية لنظام الرئيس السوري بشار الأسد ودعم تركيا في حال أبدت استعدادا لإقامة منطقة آمنة داخل الحدود الشمالية لسوريا".
ووصفا خيار استخدام منظومات الدفاع الجوية الأميركية "باتريوت" ،المنصوبة على الحدود التركية، لإسقاط الطائرات السورية وصواريخ سكود التابعة للأسد، بأنه خيار "معقول". ونقلا عن قائد القيادة الوسطى الأميركية المتقاعد، الجنرال جيمس ماتيس، قوله خلال جلسة استماع للقوات المسلحة إن "تحديد الضربات الجوية بدقة" يمكنه إسقاط "عدد لا بأس به" من طائرات الرئيس السوري بشار الأسد على الأرض إلى جانب بطاريات صواريخ سكود.
لكنهما لم يذكرا ما سيحصل إذا رد الأسد بهجوم على منظومات صواريخ باتريوت في تركيا أو استخدم منظومات الدفاع الجوي لديه ضد الطائرات الأميركية أو طائرات التحالف.
ولم يتطرق عضوا مجلس الشيوخ أيضا إلى الوسيلة التي ستعتمد في بناء ملاذ آمن في سوريا، لكنهما قالا إن خطتهما لن تتطلب انزال جنود أميركيين على الأرض، أو التصرف بشكل آحادي". كما تجاهلا كليا تردد ماتيس في منح أسلحة إلى معارضي الأسد لأن "الوضع شديد التعقيد"، ولأن الأمر يحتاج حسب قوله إلى "قدر من الثقة بأن الأسلحة التي سنمنحها لن تذهب إلى أعدائنا". وبينما كان عضوا مجلس الشيوخ يقترحان "خياراتهما العسكرية المحدودة"، تقدم أعضاء من مجلس النواب بـ "قانون سوريا الحرة لعام 2013" الأكثر طموحاً.
وينص مشروع القانون على وجوب قيام أوباما بـ "تأمين مساعدة عسكرية ملائمة، بما في ذلك أسلحة وتدريب ودعم استخباري للمعارضة السورية" التي "ستخضع لتدقيق شديد"، على أن تتوجه هذه المساعدة فقط إلى قوات تؤيد قيام سوريا ديمقراطية وسلمية". كما يجري توفير مساعدة عسكرية غير مميتة بالإضافة إلى مساعدة اقتصادية إلى الحكومة التي ستلي الأسد.
وهذه المساعدة الأخيرة سيجري توفيرها من أجل تطوير المؤسسات والمسارات الديمقراطية وتعزيزها، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي والسياسي قصير الأجل، إلى جانب إعادة بناء البنية التحتية الأساسية وتنشيطها". ويكون التمويل وفقا للحاجة كما ينبغي من دون تحديد كمية الأموال.
مأزق أميركا
فلننس للحظة كم سيكون صعبا أو مكلفا تأمين دعم عسكري للمعارضة السورية "من أولئك الصالحين"، ولنركز على سوريا ما بعد الأسد. ولنتذكر أيضا القضايا التي نشأت في العراق في المرحلة التي تلت الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، وفي ليبيا في المرحلة التي تلت الرئيس الليبي السابق معمر القذافي. وبالطبع، هناك القضايا الحالية في أفغانستان ما بعد طالبان.
وينبغي أن تكون تلك الدروس مركزية في أي مباحثات تجري حول سوريا، لكنها في واقع الحال ليست كذلك.
ومن المثير للاهتمام أن تلك الدروس تمت مناقشتها أخيرا خلال استعادة لأحداث العراق في "معهد المشروع الأميركي"، حيث كان من بين المتحدثين الرئيسيين كل من السناتور ماكين والجنرال المتقاعد جاك كين صاحب خطة زيادة عدد القوات في العراق التي تبناها الرئيس الأميركي السابق جورج بوش.
ولقد تذمر الجنرال كين من قيام إدارة بوش في أفغانستان "بالانسحاب سريعا جدا من الحكومة الجديدة التي عينها الأميركيون، ولعدم قيامها بمساعدة الحكومة الجديدة في بناء قوات أمنية بالسرعة الكافية".
وفي العراق قال: "لم نقم بإعادة تنظيم الجيش، ولم نقم بإعادة تنظيم الشرطة. ولم نقم بإعادة تنظيم البيروقراطية التي اعتاد الناس الحصول من خلالها على الخدمات وغيرها من الأمور. وهذا أدى إلى بدء اشتعال الانتفاضة". وعندما حان الوقت لمناقشة الوضع في ليبيا، قال كين: "ألم نفعل الشيء نفسه مجددا؟ تعلمون أننا خلعنا الرئيس الليبي معمر القذافي، ومن ثم انسحبنا بمعنى أننا لم نساعدهم، وتكمن المشكلة الأولى في ليبيا اليوم في نقص القوات الأمنية القادرة والكفوءة من أجل المساعدة في عملية استقرار البلاد. وهذا الدرس الرئيسي كان يفترض تعلمه من العراق، ولم نتعلمه".
ومأزق أميركا ،الذي لم يتطرق الجنرال كين أو السناتور ماكين إليه بشكل مباشر ،هو أن حكومات الشرق الأوسط الجديد وآسيا الوسطى، سواء كانت تلك الحكومات في العراق أو ليبيا أو أفغانستان أو سوريا ما بعد الأسد، لا ترغب بأعداد كبيرة من الجنود الأجانب المتمركزين في بلادها، ولو لمجرد تدريب القوات الأمنية المحلية. وتلك الحكومات لا تريد بالتحديد قوات أميركية.
بالتالي ألا يفترض بالزعماء السياسيين الأميركيين بوصفهم غرباء عن البلاد، وتحديدا لأنهم أميركيون، أن يتعلموا هذا الدرس ومفاده أنه ليس بإمكانهم التحكم بتوجه الحكومات في الدول الأخرى؟ انظروا فقط إلى المشكلات التي يعاني منها الرئيس الأميركي باراك أوباما مع الكونغرس في محاولة التوصل إلى مجرد اتفاق بشأن كيفية إدارة الحكومة الأميركية.
الدرس المستفاد
روى الجنرال المتقاعد جاك كين، صاحب خطة زيادة عدد القوات في العراق التي تبناها الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، قصة الأحداث عندما حان وقت مناقشة الوضع الجديد لاتفاقية القوات في عام 2009 المتعلقة ببقاء القوات الأميركية في العراق بعد عام 2011، مع اقتراب الانتخابات العراقية عام 2010"، فقال أنه لم يكن ممكنا "الفوز بالانتخابات" في حال تفضيل بقاء الأميركيين. وما جرى التوصل إليه كان في النهاية خروج كل القوات الأميركية".
مضيفا أن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي "عزز قوته، وقوض خصومه السياسيين إلى درجة معينة، واتخذ لنفسه دورا سلطويا كبيرا، وليس هناك من ضوابط أو توازنات على ذلك". وسوريا ما بعد الأسد ستطرح على الأقل مشكلات سياسية واقتصادية وأمنيه مشابهة، إن لم تكن أكثر قساوة من العراق. بالتالي ألا يفترض مناقشة تلك القضايا بموازاة الدعوات لمزيد من التورط العسكري الأميركي؟
