تقبع حلب ،أكبر مدن سوريا ،في واد تشرف عليه تلة تعلوها قلعة قديمة. وعلى مدى قرون من الزمن، واجهت هذه القلعة الحجرية الكبيرة جحافل الرومان والمغول والعثمانيين، لكنها في هذه الأيام تشكل مقرا لجنود الرئيس السوري بشار الأسد.

ويحتل الثوار الجزء الشرقي من المدينة القديمة، وهو عبارة عن متاهة من الأزقة والساحات السفلية. وتعتبر بالتالي بقعة مثالية لحرب العصابات في المدن: فالدبابات لا يمكنها دخول الممرات الضيقة، والجدران الحجرية السميكة تعمل كدروع ضد المدفعية والضربات الجوية.

تقدم محدود

وأخيرا، في الجانب الشمالي من المدينة القديمة، كانت هناك مجموعة تطلق على نفسها لواء "أحرار سوريا" تحاول السيطرة على مبنى يحتله الجنود الحكوميون، ولقد استخدم الثوار في سبيل ذلك مقلاعا يبلغ طوله مترا لقذف قنابل مصنوعة يدويا بهدف اختراق خطوط العدو.

وبحلول بعد الظهر، كانت هذه المجموعة قد حققت تقدما محدودا جدا، وبدت قانعة برمي القنابل واطلاق النار من أسلحتها، بدلا من التقدم بهجوم أكثر جدية وخطورة. كم دام لهم من الوقت على هذه الوضعية؟ "ثلاثة اشهر" هكذا قال الثائر الذي يدعى أبو زكريا.

وفي الجهة المقابلة من المدينة القديمة، كانت هناك كتيبة صغيرة تدعى "مجاهدي حلب". وكان في الموقع 20 رجلا، كلهم من المنطقة ومعظمهم في سن المراهقة المـتأخرة، أو في أوائل العشرينات من عمرهم.

وقائدهم كان يجول حول مواقعهم القتالية داخل بناء مهدم من ثلاثة طوابق، وبعد إلقائه نظرات خاطفة إلى القلعة التي تلوح من فوق الموقع، والمليئة بالقناصة من جنود الحكومة. قال: "لا توجد لدينا ذخائر لمواصلة القتال، وسوف نفقد الكثير من الأرواح إذا قمنا بالهجوم".

وفي وسط المدينة، يمر خط الجبهة الأمامي في حلب من بستان القصر في الجنوب، حيث يواجه الجانبان أحدهما الآخر من خلال المباني السكنية الشاهقة، التي تفصل بينها منطقة قاتلة، عبر المدينة القديمة وصولا إلى الأرض المرتفعة لمساكن هنانو في الشمال الشرقي.

ومنذ الهجوم المفاجئ للثوار في أواخر الخريف الماضي عندما تسربوا من الريف إلى المدينة لم يطرأ على المنطقة تغيير كبير. وكان من المتوقع أن يشهد العالم معارك حامية الوطيس من النوع الذي هيمن على التغطية الإخبارية في أواخر الخريف، لكن بدلا من ذلك، فإن الحرب تتقدم بخطى بطيئة، ومعارك صغيرة على بقعة واحدة من المدينة في كل مرة.

عودة المواطنين

وكانت حصيلة هذا الهدوء النسبي عودة المواطنين إلى المدينة زرافات ووحدانا. وكان أحد المصورين ،الذي سبق له أن زار المدينة لآخر مرة في نوفمبر الماضي ،مشدوها برؤيته أحياء كان يذكرها على أنها مناطق أشباح تعج الأن بالحركة خلال النهار، والشوارع مزدحمة بالسيارات والعربات مكدسة بالخضراوات الطازجة والإمدادات الأخرى مثل السلع الكمالية، والبطاريات وغيرها.

وتوجد أسماك طازجة يتم اصطيادها من نهر الفرات وتشحن من دير الزور، على بعد يتجاوز 300 كيلومتر.

والمستشفيات لم تعد أقبية لحفظ رفات الموتى كما كانت عليه سابقا، عندما كان القصف المكثف يمطر المناطق المدنية يوميا. يقول عبد القادر مهند، وهو جراح في مستشفى الدقاق: "هناك إصابات أقل من السابق، على الرغم من سقوط مزيد من المدنيين".

والوضع الإنساني لا زال أليما بالطبع. فمناطق الثوار في معظمها ينقصها الإمدادات الموثوقة من الكهرباء والمياه والعناية الطبية الملائمة، والنفايات تتكدس في الشوارع، والبطالة والتضخم عرضا كثيرا من العائلات لأوضاع مالية حرجة.

لكن في هذه اللحظة يسود هدوء لا يدعو إلى الطمأنينة في المدينة. وعلى ما يبدو، لا يوجد اهتمام لدى أي من الطرفين بتكريس القوى العاملة والأسلحة والذخائر الضرورية لاختراق خط الطرف الآخر.

ولقد انتقل معظم القتال، كما انتقلت افضل الوحدات والمعدات، إلى المطارات خارج المدينة، وتلك المواقع هي مفتاح قبضة النظام على جانب من حلب. وقاعدة ميناغ الجوية شمال المدينة، والمطار الدولي إلى الجنوب هما تحت الحصار المتواصل، كما حاصر الثوار القاعدة العسكرية في كويرس.

وفي هذه الأثناء، فإن القوات الحكومية تستخدم القناصة والمدفعية لوقف تقدم الثوار في حلب، فيما يجري تركيز الموارد للدفاع عن دمشق وعمليات التقدم نحوها، وتسيطر حالة من الجمود على المنطقة حالياً.

 

سياسة ظالمة

أرسلت أميركا والقوى الغربية المليارات من الدولارات في سبيل دعم عملية انتقام عسكرية ضد سوريا مما أرجعها سنوات إلى الوراء، بدلا من تبني استراتيجية التفاوض بين الأطراف المتنازعة واللباقة السياسية.

ولقد اعتقدت القوى الغربية أن حكومة الرئيس السوري بشار الأسد سرعان ما ستتقهقر، ويكون لها النصر السهل تماما كما حدث في ليبيا، لكن الوضع هناك ازداد سوءا، ومن ثم لم تعد هناك طريقة للعودة إلى الوراء. وبناء عليه، تم اتخاذ عدد من الخطوات غير الديمقراطية باسم الديمقراطية.

 فقد تم تجميع مجموعة من السياسيين السوريين من أجل تشكيل ائتلاف المعارضة الذي سمي ممثلا للشعب السوري. وفي المقابل، فإن الشعب السوري غير سعيد بسفك الدماء الذي يتواصل في بلادهم باسم الديمقراطية. ولقد ادركوا أن بلادهم أصبحت ساحة معركة للقوى العظمى في العالم. وينبغي أن لا تتجاهل القوى الغربية قواعد اللعب العادلة.