أنهى ثاني أعلى مسؤول في القوة العسكرية الأولى في العالم جولة رحلاته حول شرق آسيا التي دامت أسبوعاً، وتضمنت مباحثات مع مسؤولين عسكريين كبار من اليابان وكوريا الجنوبية والفلبين وإندونيسيا وماليزيا وسنغافورة.
فقد أراد نائب وزير الدفاع الأميركي اشتون كارتر، أن ينقل رسالة إلى الحلفاء والشركاء الأمنيين، والخصوم المحتملين، في المنطقة، مفادها أنه على الرغم من الاقتطاعات الكبيرة في الميزانية والاقتتال الداخلي في واشنطن، فإن الولايات المتحدة ستبقى قوة مقيمة في المحيط الهادي، ملتزمة بالمساعدة على حفظ السلام الذي يدعم النمو الاقتصادي.
التحدي الأهم
والتحدي الأكثر إلحاحاً لاستقرار المنطقة يأتي من كوريا الشمالية التي أعلنت أنها في حالة حرب مع كوريا الجنوبية، وذلك بعد أن أجرت اختباراً نووياً ثالثاً في 12 فبراير الماضي، في تحد لقرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وقالت بيونغيانغ: إن الاختبار تحت الأرض جرى تصميمه في سبيل إتقان صناعة رؤوس حربية نووية صغيرة للصواريخ البالستية، من أجل توجيه ضربة إلى البر الرئيسي الأميركي أو القواعد الأميركية في اليابان وأجزاء أخرى من آسيا.
وفيما كان أشتون كارتر في المنطقة، كشف مسؤولون في البنتاغون النقاب عن أن قاذفات «بي 52» المنشورة على أرض غوام الأميركية في غرب المحيط الهادي، حلقت في مهمة تدريب فوق كوريا الجنوبية في 8 مارس الماضي وأنها سوف تواصل التحليق كرمز للحزم وقوة الردع الأميركية.
لكن، الولايات المتحدة إلى جانب دول عدة في شرق آسيا قلقة من إمكانية بروز تحد آخر للأمن الإقليمي يلوح في الأفق، وهذه المرة من الصين. وهم قلقون من أن الصين قد تستخدم قوتها الاقتصادية والعسكرية المتزايدة لتصبح قوة مهيمنة في الشؤون الإقليمية.
وجولة كارتر التي انتهت في جاكرتا في 20 مارس الماضي، جاءت بعد خطاب لتوماس دونيلون مستشار الأمن الوطني للرئيس الأميركي باراك أوباما، إلى المجتمع الآسيوي في نيويورك في وقت سابق من الشهر، قال فيه إن مستقبل أميركا «لم يكن أبداً أوثق ارتباطاً بالنظام الاقتصادي والاستراتيجي والسياسي الناشئ في منطقة آسيا المحيط الهادي».
وآسيا التي تعد من المناطق الاقتصادية الأكثر نمواً في العالم تمثل أكثر من 25% من الناتج المحلي الإجمالي الدولي. وفي السنوات الخمس المقبلة، فإن نصف إجمالي النمو خارج أميركا من المتوقع أن يكون مصدره آسيا تقريباً. وترغب أميركا في الاندماج بتلك الدينامية من التجارة والاستثمار والأعمال التجارية، وأن تبقى جزءاً منها على المدى الطويل.
وقال دونيلون أيضاً: إن إدارة أوباما لم تتخذ القرار الاستراتيجي في تخصيص المزيد من الموارد الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية إلى منطقة آسيا- المحيط الهادي فحسب، وإنما أيضاً في إعادة التوازن لمنطقة آسيا للإقرار بالأهمية المتزايدة لمنطقة جنوب شرق آسيا.
لكن إعادة التوازن الأميركي لمنطقة آسيا هل يعد أمراً مستداماً؟ وهذا هو السؤال الذي يشكل القلق الأكبر لليابان ودول منطقة آسيا- المحيط الهادي الأخرى التي تريد انخراطاً كلياً لأميركا في المنطقة في سبيل المساعدة على الحفاظ على السلام وتثبيط عزيمة الصين لاستخدام القوة أو التهديد بها من أجل تحقيق أهدافها.
وإذا كانت القوة الاقتصادية هي العملة التي تجسد القوة في القرن الواحد والعشرين، فإن العامل الأهم في مواصلة أميركا تدخلها ونفوذها في المنطقة سيكون مسألة ما إذا كان اقتصادها سينتعش أو يزدهر. ولم تتضح هذه المسألة بعد بسبب عدم اكتمال المعلومات. وفي غضون ذلك، استخدمت الصين التي يحتل اقتصادها المرتبة الثانية في العالم بعد الولايات المتحدة، جاذبية سوقها الهائلة لتصبح الشريك التجاري الأول لكل اقتصاد من اقتصاديات شرق آسيا تقريباً.
أولوية تاريخية
ومن الناحية العسكرية، قال كارتر في سيؤول: إنه مع خروج القوات الأميركية من العراق وتوقع مغادرتها أفغانستان قريباً، فإن البنتاغون يمكن أن تنقل كمية كبيرة من الثقل العسكري إلى منطقة آسيا المحيط الهادي.
ولقد وصف التركيز الأميركي على المنطقة بأنه «أولوية تاريخية»، مضيفاً أنه لدى أميركا «الموارد لتحقيق ذلك، وبغض النظر عما سيحدث في السجالات بشأن الميزانية، فإن التزامنا بإعادة التوازن لمنطقة آسيا- المحيط الهادي، سوف يبقى ثابتاً».
وقد يكون كارتر على صواب في ذلك. فعلى الرغم من أن الإنفاق الأميركي على الأسلحة يواجه قيوداً متشددة، إلا أن هذه القيود تجري أصلاً بدءاً من مستويات إنفاق مرتفعة جداً.
لكن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية يفترض أنه إذا استمر معدل الزيادات السنوية في الميزانية الدفاعية الرسمية للصين على مدى العقد الماضي، والبالغ 15% على المدى المتوسط، فإن نفقات الصين العسكرية يمكن أن تزاحم إنفاق الموازنة الصفرية العسكرية لأميركا بحلول 2025. والموازنة الصفرية العسكرية لا تشمل تكاليف الحروب.
وإذا أضيفت جوانب إضافية من الإنفاق العسكري التي يعتقد أنها مستثناة من الميزانية الرسمية للقوات المسلحة الصينية إلى المعادلة، فإنه قد يجري الوصول إلى التعادل في عام 2023، بعد 10 سنوات فقط، بحسب المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية.
لكن مع ذلك، يمكن بسهولة رؤية كيف تبدو أميركا مهددة للصين عندما قامت بإنفاق 6 أضعاف على الدفاع في عام 2012، وإقامة تحالفات رسمية أو شراكات استراتيجية مع اليابان والهند وكوريا الجنوبية، وهي القوى العسكرية الثالثة والرابعة والخامسة الأقوى في آسيا.
وعملية التوفيق بين هذه التصورات المهددة المختلفة، والمصالح المتباينة التي تكمن وراءها، ستشكل اختباراً رئيسياً لمؤهلات رجل الدولة لإدارة أوباما وللقيادة الصينية الجديدة للسنوات العشر المقبلة.
تقليص الفجوة
لا تزال الميزانية العسكرية الأميركية أكبر بأضعاف عدة من الميزانية العسكرية للصين. وفي الواقع، فإنها تعادل النفقات العسكرية الرسمية للصين زائد نفقات الدول الـ 13 التالية الأقوى عسكرياً مجتمعة.
ومع ذلك، فإن الفجوة في الإنفاق العسكري بين الصين وأميركا تتقلص بسرعة. وكانت الصين قد خصصت أصلاً سلسلة من الزيادات في الإنفاق العسكري السنوي بنسب أرقام من خانتين على مدى العقدين الماضيين، عندما أعلنت عن زيادة نسبتها 10.7 % في ميزانيتها الدفاعية في 5 مارس الماضي. وتنفق الآن نسبة أكبر على قواتها المسلحة من جاراتها اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان مجتمعة.
