بينما يركز العديد من المحللين الغربيين على توازن الإصلاحيين والمحافظين في القيادة الصينية الجديدة، فإن معظمهم يتجاهلون غياب الدبلوماسيين المحترفين وخبراء الشؤون الخارجية على أعلى مستويات السلطة في بكين.

وتبرز الصين بصفتها قوة عالمية، ولكن المكانة التي تحتلها السياسة الخارجية في النظام السياسي الصيني منخفضة للغاية.

وأخيرا، أعلنت الحكومة الصينية، بقيادة الرئيس الصيني الجديد شي جينبينغ، فريق سياستها الخارجية الجديد.

رؤية المراقبين

ورُقي يانغ جيه تشي، وزير خارجية الصين منذ عام 2007، إلى مجلس الدولة. وأشرف خلفه، وانغ يي، على العلاقات مع تايوان واليابان، ومثّل الصين في محادثات مع الغرب بشأن برنامج كوريا الشمالية النووي. وعينت الصين أيضا سفيرا جديدا للولايات المتحدة، هو تسوي تيان كاي، وهو دبلوماسي محترف وخريج كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة "جونز هوبكنز".

ومع ذلك، فإن أيا من يانغ، الذي سيواصل إشرافه على العلاقات الخارجية، أو وانغ، وزير الخارجية الجديد، ليس عضوا في المكتب السياسي، مركز قوة السياسة الصينية.

وليس أي من الأعضاء السبعة في اللجنة الدائمة للمكتب السياسي، وهي الهيئة الأكثر نفوذا التي تضم كلا من شي ورئيس وزرائه الجديد لي كه تشيانغ، خبيرا في السياسة الخارجية، على الرغم من أن أحدهم، وهو وانغ تشي شان، عمل بشكل وثيق مع وزيري الخزانة الأميركية السابقين، هنري بولسون وتيموثي غيثنر، على تنسيق استجابة للأزمة الاقتصادية التي شهدها العالم عام 2007 ــ 2008.

ويميل مراقبو الصين إلى المبالغة في نضج سياسة بكين الخارجية وطموحاتها، ولكن الحقيقة هي أن السياسة الخارجية الصينية تعاني من عجز كبير. وفي حين أن الغرباء ينظرون غالبا إلى الصين على أنها عملاق صاعد ومصدر تهديد، فإن القادة الصينيين يشعرون في الواقع بقلق وانعدام ثقة شديدين، وانعدام يقين بشأن كيفية التعامل، سواء في الداخل أو الخارج، مع التوترات الحتمية التي تنشأ من صعود بلادهم السريع على المسرح العالمي. وبالنسبة للقادة "المنتخبين" حديثا، فإن التحدي الأول يتمثل في كيفية ملء فراغ السياسة الخارجية وكيفية الاختيار بين القومية والعولمة.

وقد استخدمت كلمات مثل "عدوانية" و"حازمة" و"متغطرسة" لوصف سياسة الصين الخارجية، لا سيما فيما يتعلق بحربها الكلامية المطولة مع اليابان حول مجموعة من الجزر المتنازع عليها في بحر الصين الشرقي.

ومع ذلك، فإنه ينبغي للحكم على السياسة الخارجية لأي دولة أن يقوم على أساس أفعالها، جنبا إلى جنب مع أقوالها. وعندما نجري فحصا دقيقا للسياسات والأفعال الصينية، نرى أن السياسة الخارجية الصينية متناقضة في الواقع، بل وضعيفة. إذ لا تملك بكين سياسة واضحة ومتطورة بشأن العديد من القضايا، بدءا من الجزر المتنازع عليها، ووصولا إلى كوريا الشمالية وتغير المناخ. وكثيرا ما يستخدم الخطاب القوي للتعويض عن السياسات الضعيفة أو غير المتماسكة.

وفي حقيقة الأمر، فإن "نباح" الصين غالبا ما يكون أسوأ بكثير من عضها، إذ لم تخض حربا مع أي دولة منذ نزاعها المسلح القصير مع فيتنام في عام 1979، وهي تلتزم جانب الحذر في تعاملها مع جاراتها التي تقطن الجزر التي تطالب بها في بحر الصين الجنوبي. وهذا يفسر السبب في أن القوميين الصينيين انتقدوا، في بعض الأوقات، السياسة الخارجية الصينية لكونها لينة ولطيفة إلى هذه الدرجة.

أحدث الأمثلة

ويفسر غياب السياسة الواضحة أيضا، وبصورة جزئية، سبب افتقار الصين للتأثير الحاسم على حلفائها الاستراتيجيين الذين يعتمدون على دعمها بالدرجة الأكبر، مثل كوريا الشمالية وميانمار وباكستان. وليست تجربة كوريا الشمالية النووية الأخيرة وقرارها بإلغاء هدنة عام 1953 التي أنهت الحرب الكورية سوى أحدث مثالين على ذلك. فإذا كانت دولة ما لا تملك سياسة خارجية واضحة، فإنها لن تعرف متى وأين وكيف يمكنها استخدام قوتها.

وتكمن وراء فراغ السياسة الخارجية هذا أزمة مزدوجة ترتبط بالهوية. أولا، بكين ليست مستعدة للعب الدور الأكبر الذي تنتظر منها الدول الأخرى أن تلعبه. وكان هو جين تاو، سلف شي، أول رئيس صيني يضطر إلى قيادة الصين بعد أن أصبحت عضوا كامل العضوية في النظام الدولي. ولا تزال بكين بحاجة إلى وقت للتكيف مع وضعها الجديد باعتبارها قوة عالمية، واستيعاب التحول الاقتصادي والاجتماعي والثقافي الجذري الذي شهدته في العقود الأخيرة.

ثانيا، تواجه النخبة السياسية الصينية صراعا كبيرا بين السياسة الداخلية والسياسة الخارجية. فالقيادة الصينية، من جهة، تسمح استراتيجيا بتوهج شعلة القومية، من حين لآخر، لتلبية حاجة النظام الداخلية إلى زيادة شرعيته والتماسك الداخلي. والقومية المتطرفة بصورة فجة غالبا، من جهة أخرى، تزيد من صعوبة التحلي بروح التعاون والمهنية في التعاملات الدبلوماسية الصينية.

سيناريوهات المستقبل

سوف تميل القيادة الصينية الجديدة لإرضاء قاعدتها المحلية من خلال اعتماد سياسات خارجية أكثر قومية. فالصين تواجه مشكلات محلية عديدة، تبدأ بالفساد وتنتهي بتباطؤ الاقتصاد. ومع ذلك، فإنه يتعين على القادة الجدد أن يتأكدوا من فهمهم التام لعواقب سير الصين على مسار القومية.

إذ تعتمد الصين اعتمادا كبيرا على السوق العالمية، والموارد، والاستثمار، والتكنولوجيا. ومن شأن مسار أكثر قومية وتشددا أن يؤدي حتما إلى درجة أكبر من الصراع والمواجهة المباشرة مع جارات الصين، يمكن أن تصل إلى درجة الحرب. ومن شأن نتيجة كهذه أن ترجئ رغبة الصين في الاضطلاع بدور تعتقد أنه ينبغي أن يناسب ثروتها وحجمها.

والتحدي هو أن يوضح الدبلوماسيون الصينيون، غير الممثلين في أعلى سلم السلطة في بكين، لحكومتهم مدى قصر النظر وانعدام الحكمة اللذين من شأن استراتيجية سياسة خارجية تقوم على المواجهة أن تنم عنهما. آمل أن تكون هذه أول نصيحة تتعلق بالسياسة الخارجية يتلقاها الرئيس شي من مستشاريه.

 

حملة وطنية

منذ أوائل تسعينات القرن الماضي، استخدم الحزب الشيوعي الصيني ــ بصفته نظاما اشتراكيا بالاسم تحول إلى استبدادية السوق الحرة ــ القومية، كوسيلة للحفاظ على سيطرته. وقد شملت هذه الدعاية حملة "تعليم وطني" ركزت على تاريخ الصين الحديث المهين مع الغرب، وهي حملة تصور، بطبيعة الحال، الحزب على أنه الحل الوحيد لصين ضعيفة ومنقسمة. وفي غضون ذلك، تبنت الصين العولمة بشجاعة. ويمكن القول إنها حتى قبل انضمامها الى منظمة التجارة العالمية في عام 2001، كانت المستفيد الأكبر من العولمة.