في اثنتين من أكثر دول العالم غموضاً، استلم قائدان جديدان لتوهما مقاليد السلطة، وهما البابا فرانسيس في الفاتيكان والرئيس شي جينبينغ في الصين. وفي حين أن البابا كان خيارا مفاجئا، إلا أن صعود شي كان متوقعا، نظرا لأنه كان قد عُين في نوفمبر الماضي أمينا عاما للحزب الشيوعي الصيني ورئيسا للجنة العسكرية المركزية للبلاد.

ويواجه الاثنان دعوات متزايدة لحكم أكثر شفافية وعدالة. وفي حين أن البابا ولـّد تغطية إخبارية أكبر، فإن شي، بصفته رئيس أكبر دولة على وجه الأرض، هو الذي يملك القدرة الأكبر بكثير في التأثير على الشؤون العالمية.

في مرحلة من المراحل، كان قادة الصين يتمتعون بقدر من القدسية يكاد يضاهي ذلك الذي يتمتع به البابا. ولكن ذلك قد تغير الآن. فبعد عقدين من النمو الاقتصادي المذهل وظهور طبقة وسطى نابضة بالحياة ومملوءة بالإرادة، يشعر معظم الصينيين بالسعادة لتخلصهم من ثقافة "الزعيم الكبير"، المدعومة بالأنا، التي سادت في عهد ماو تسي تونغ، وخلفه دنغ شياو بينغ، الذي نسق انفتاح الصين على العالم.

واليوم، تدار الصين من قبل قيادة جماعية تتألف في مجملها من تكنوقراطيين، تقودهم اللجنة الدائمة للمكتب السياسي، التي تضم حاليا سبعة أعضاء، والتي لا يعتبر فيها الرئيس سوى الأول بين متساويين. ولم يبرز شي ورفاقه من خلال ترويجهم لأنفسهم أو استعراضهم لوجهات نظرهم، وإنما من خلال تجنبهم للفت الأنظار واجتيازهم بهدوء لمتاهة السلطة في الحزب.

نقاط ضعف

وذلك هو السبب في أن العالم الخارجي لا يعرف الكثير عن نقاط ضعف شي. لسنوات عديدة، تمثلت استراتيجية الحكم في التزام الحذر.

دع الأمور تمض قدما، وخصوصا الاقتصاد، من خلال اتخاذ خطوات تدريجية، بدلا من قفزات كبرى. والنتيجة هي انعدام الإجراءات المتطرفة الهدامة التي أضرت بالصين في الماضي، لا سيما في عهد ماو، ولكن أيضا انعدام المبادرات الجريئة تقريبا. فالاستقرار هو الهدف الأسمى.

ومع ذلك، فإن الصين، شأن الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، تقف عند نقطة تحول. فاقتصادها أكثر تعويلا مما ينبغي على الاستثمارات والصادرات الحكومية، والفساد الرسمي هائل من حيث الحجم، والفجوة بين الأغنياء والفقراء آخذة في الاتساع، والمشكلات البيئية مروعة، والمزيد من الصينيين يشعرون بالاستياء في ظل صرامة الحكام.

ويبدو أن شي يدرك أن الصين بحاجة للتغيير، فقد تحدث ضد الفساد والظلم، وهاجم تجاوزات المسؤولين، محذرا بحزن من أن مثل هذا السلوك يؤدي إلى "الغضب الشعبي والاضطرابات الاجتماعية وتغيير النظام". وهو يقول إنه يريد عملية تجديد شباب وطنية. ومع ذلك، فإن شي يشكل لغزا.

فخلال زيارته إلى الولايات المتحدة في فبراير من عام 2012، كان من الصعب لمس أي حس سياسي حقيقي لديه. فهو، في حين أنه بدا اجتماعيا بما فيه الكفاية، نجح، بشعره المثبت دائما في مكانه، وملامح وجهه العنيدة، والقريبة من ملامح وجه الموناليزا، وخطبه المعدة، في إخفاء ما يملكه من كاريزما. تذكروا أن الصين ليست ديمقراطية ـ دائرة شي الانتخابية لا تتمثل في الشعب الصيني، وإنما في زملائه بالحزب.

محاولة احتواء

ومن ثم هناك جيش التحرير الشعبي الصيني، الذي أعرب شي مرارا عن دعمه له. وتنظر بكين إلى نزاعات الجزر التي تخوضها مع اليابان ومع عدد من دول جنوب شرق آسيا على أنها تعدٍّ على أراضيها، وإلى توجيه الولايات المتحدة "لمحور سياستها الخارجية نحو آسيا" على أنهما محاولة احتواء.

وقد قدمت "الـ 100 عام من الإذلال"، التي عانت الصين خلالها تحت حكم الأجانب، حكاية إيذاء لكل زعيم صيني منذ الإمبراطور الأخير. وفي حال أثار شي البلاد بالمشاعر القومية، فإن علاقات بكين مع جاراتها ومع واشنطن قد تصبح في خطر.

ويقول شي إنه يحلم بإعادة بلاده إلى مكان من العظمة في العالم. وهو، لتحقيق هذا الحلم، لا يحتاج إلى كتابة ملحمة من المغامرات في الخارج، وإنما لصياغة القانون الإصلاحي المقبل للدراما التنموية الصينية في الداخل.

 

خبرة بالصين

أورفيل شيل خبير بالشؤون الصينية، ولد بمدينة نيويورك عام 1940، وزار الصين للمرة الأولى عام 1974، خلال سنوات ماو تسي تونغ الأخيرة.

وقد بدا أسفه على تجاوزات نظام ماو الاشتراكي واضحا في مقابلة أجرتها مجلة "هول إيرث ريفيو" معه عام 1988، قال فيها: "لقد مثلت الصين، في الستينات والسبعينات، نموذجا يحتذى به بالنسبة للغربيين الباحثين عن عقائد جديدة وأنظمة اعتقاد بديلة. وفي الواقع، فقد اتضح أن الصين استهلكت نفسها.

 إنها لم تدحض بالضرورة حقيقة أن بعض النماذج الاشتراكية لا تناسب دول العالم الثالث النامية، ولكنها أظهرت أن تطرف التجربة الماوية خرب هذا النموذج. إنه لعار كبير أن ماو لم ينجح. فقد تغلب جنون عظمته على الجهود التي بذلها لمعرفة ما إذا كان يمكن للصين أن تكون أول دولة من شأنها إيجاد طريقة مختلفة لتستجمع قواها وتتطور".