أثناء الولاية الأولى للرئيس الأميركي باراك أوباما، سحبت الإدارة الأميركية قواتها من العراق، وباشرت تعديل العلاقات مع حكومات الدول العربية التي تلت أنظمة الاستبداد بما فيها مصر، كما كافحت من أجل التعرف إلى أفضل السبل للتعامل مع انتفاضة تزداد دموية في سوريا، كما حاولت إعادة تفعيل الدبلوماسية في الصراع الفلسطيني/ الإسرائيلي.

والآن مع بدء ولاية أوباما الثانية، تواجه المصالح الأميركية مخاطر كبيرة مع استمرار خضوع المنطقة لتغييرات عميقة، ومطالبة الحلفاء العرب والأوروبيين بمزيد من التدخل الأميركي، لكن المنطقة تقدم للولايات المتحدة أيضاً فرصاً غير متوقعة، مثل نمو الديمقراطيات العربية. والتحدي الذي تواجهه الولايات المتحدة يتمثل في كيفية القيادة من دون فرض الهيمنة، وكيفية حماية المصالح الأميركية وتعزيزها من دون إعفاء جهات فاعلة أخرى من المسؤولية. بالتالي فإن مهمة هذه الإدارة تكمن في تطوير استراتيجية تعمل على مطابقة الخطاب الإيجابي للرئيس أوباما مع متابعة جادة له من حيث الدبلوماسية والمساعدة والتعاون الأمني.

المصالح الأميركية

ويشكل التدفق الحر للطاقة وأمن إسرائيل جوهر المصالح الأساسية للولايات المتحدة، منذ أن ورثت أميركا عباءة الزعامة الدولية في الشرق الأوسط من بريطانيا عقب الحرب العالمية الثانية. ومنع التهديدات الأمنية المنبثقة من الشرق الأوسط، من قبيل الإرهاب أو أسلحة الدمار الشامل التي كانت قد أدرجت على اللائحة الموجزة للمصالح الأميركية في السنوات الأخيرة.

وحفزت موجة الانتفاضات التي تكتسح المنطقة العربية بدءاً من عام 2011 أوباما على إضافة بند جديد على لائحة المصالح الأميركية، وهو دعم عملية الانتقال الديمقراطي للعرب. ولقد صرح أوباما بشكل لا لبس فيه في مايو 2011 بأن «سياسة أميركا ستتمثل في تشجيع الإصلاح على امتداد المنطقة، ودعم عملية الانتقال إلى الديمقراطية».

 وهي السياسة نفسها التي رددها في خطاب حالة الاتحاد في فبراير الماضي. وبعد مرور عقد من الزمن حصل خلاله الكثير من الجدل حول ما إذا كان بإمكان أميركا دعم مثل تلك المبادئ أو ما إذا كان يفترض بها القيام بذلك، أوضح أوباما أن تلك المبادئ ستصبح «أولوية قصوى يجب ترجمتها إلى تحركات ملموسة، ودعمها بكل الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية والاستراتيجية التي هي تحت تصرفنا».

ومطابقة المصالح الأميركية مع التحديات والفرص المنبثقة من المنطقة ينتج عنها هدفان واسعا النطاق للاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط على مدى السنوات الأربع المقبلة.

تقليص التحديات الأمنية وإزالتها بما في ذلك الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني المتقيح. وفي سبيل القيام بذلك، تحتاج أميركا إلى إعادة تجديد زعامتها وإشراك حلفاء وشركاء رئيسيين في المنطقة.

احتضان أجندة الكرامة الخاصة بالانتفاضات العربية في سبيل دعم عملية تمكين الأفراد، وبناء المؤسسات الديمقراطية، وتحقيق الازدهار من خلال زيادة اندماج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في النظام الاقتصادي العالمي. والتغيير سيكون عبارة عن عملية طويلة، ولقد أثبت أنه قادر على زعزعة استقرار شمال إفريقيا وبلاد الشام.

لكن على صعيد الواقع، فإنه لا عودة للوضع الاستبدادي السابق بأي حال من الأحوال. والسبيل الوحيد هو التقدم إلى الأمام نحو مستقبل مشرق، وإن كان تحقيقه قد يستغرق سنوات. ويتعين على الولايات المتحدة أيضاً أن تكون على أهبة الاستعداد لدعم الدعوات إلى التغيير الديمقراطي في دول أخرى في المنطقة.

توصيات بشأن السياسات

1 - احتواء التهديدات وإزالتها:

تمكين الثوار السوريين من النصر للمساعدة في تشكيل مستقبل البلاد: ولدى الولايات المتحدة مصالح استراتيجية واضحة، بالإضافة إلى المصلحة الإنسانية، في تسهيل عملية انتصار الثوار السوريين. والإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد وتأسيس حكومة ديمقراطية تشمل كل فئات المجتمع، ما سيحقق تعزيز المصالح الأميركية، أكثر من أي تطور إقليمي في الذاكرة الحديثة.

ويتعين على أميركا وحلفائها تشجيع المعارضة ضمن التيار السياسي العام لكي تؤسس على الأراضي السورية حكومة تكرس جهودها من أجل المواطنة والمجتمع المدني، والاعتراف بتلك الحكومة، وضمان حصولها على الموارد المالية من أجل النجاح، والدفاع عنها بوسائل تقصر عن، أو لا تصل إلى حد نشر جنود أميركيين على الأرض. وسواء تم الأمر بناء على قرار لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أو من دونه.

يجب أن تقود أميركا ائتلافاً يستخدم قوة جوية محدودة بمزيج مع قوات عسكرية محلية وإقليمية في سبيل تحويل المسار لصالح الثوار. ولا يمكن إلا لزعامة قوية وتحرك أميركي قوي أن يمنحا مضموناً ومعنى لدعوة أوباما للأسد بالتنحي، وإبقاء الأمل الضئيل المتلاشي في إجراء انتقال منظم بدلاً من دولة فاشلة في سوريا، ناهيك عن تشكيل حكومة في المرحلة التي ستلي الأسد تكون ودية للولايات المتحدة.

الاستعداد للحرب الباردة المقبلة في الشرق الأوسط: يتعين على الولايات المتحدة استخدام كل الأدوات الموجودة تحت إمرتها، من عقوبات اقتصادية، وعزلة إقليمية ودولية، ومطالبات بالتغيير داخل البلاد، في سبيل الإعداد للحرب الباردة الإقليمية. وينبغي أن تعيد أميركا وحلفاؤها وشركاؤها تصميم الترتيبات الدبلوماسية متعددة الأطراف والموقف العسكري في سبيل الأخذ بالاعتبار المشهد المختلف جذرياً.

بناء الأمن في شمال إفريقيا واليمن من أجل احتواء تنظيم القاعدة: يتعين على الولايات المتحدة العمل عن كثب مع الديمقراطيات الوليدة في ليبيا وتونس واليمن لبناء قوات عسكرية وأمنية قادرة على فرض احتكار على استخدام القوة داخل أراضيها.

ومن المحتمل أن يكون للحلفاء الأوروبيين مساهمة كبيرة في هذا الجهد. بالتالي، ينبغي أن تعزز الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون جهود الطرفين في سبيل تقليص مساحة المناطق غير الخاضعة لسلطة في أرجاء المنطقة، والتي يمكن استغلالها من قبل فروع القاعدة، وأن تتخذ قراراً حول أبرز أولويات اهتمام التحالف وتحركاته، (حيث إن احتياجات الحكم على امتداد المنطقة تتجاوز القدرات على تلبيتها)، كما في بعض الحالات أن تتخذ قراراً بشأن دولة رائدة للعمل معها عن كثب من أجل بناء القدرات المطلوبة، وتعزيز المشاركة في الاستخبارات، وغيرها من الترتيبات العملانية.

إعادة العلاقات مع إسرائيل إلى مسارها واستعادة خيارات السلام مع الفلسطينيين: وولاية أوباما الثانية وزيارته إلى إسرائيل أخيراً توفران الفرصة المطلوبة لفتح صفحة جديدة من العلاقات مع إسرائيل. وبدلاً من التركيز بشكل أحادي على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي قد يبقى الرئيس أوباما على خلاف معه، فإنه يتعين على أوباما التواصل مع الشعب الإسرائيلي والمشهد السياسي الأوسع نطاقاً. يتعين عليه السعي للفوز بثقتهم وإقناعهم بالحاجة إلى التعاون مع أميركا حول القضايا الأمنية، إلى جانب المساومة مع الفلسطينيين حول قضايا مثل مستوطنات الضفة الغربية في سبيل زرع خيارات من أجل السلام.

2- احتضان أجندة الكرامة:

أن تصبح أميركا الطرف القائم بتجميع المساعدات الدولية لمصر: فمن مجمل الدول العربية المقبلة على تحولات بعيداً عن الحكم الاستبدادي، تعتبر مصر هي الأهم إلى حد بعيد من حيث نفوذها الإقليمي وتأثيرها المحفز في أماكن أخرى، إن كان ذلك للأحسن أو للأسوأ. وتواجه البلاد الآن تحديات اقتصادية وأمنية هائلة، لن يتمكن مرسي من حلها إلا إذا شكل إجماعاً سياسياً واسعاً يضم جماعات سياسية علمانية وإسلامية، كذلك تتلقى مصر مساعدة مالية دولية مهمة.

وفيما كان أوباما على حق في قوله: إن أميركا لا يمكنها حل مشكلات مصر، إلا أنه يوجد الكثير مما تستطيع أميركا القيام به من أجل تحفيز المصريين على أن يحذوا حذوها. بوصفها الحليف الخارجي الأهم لمصر، ينبغي أن تدفع أميركا المانحين الدوليين (أوروبا ودول الخليج والمؤسسات المالية الدولية) نحو توفير منح وقروض واستثمارات تحتاج إليها البلاد من أجل استعادة الاقتصاد عافيته.

وتحقيق مستويات النمو المطلوبة لتوليد الوظائف الكافية. وكمنظم لمثل هذه المساعدة واسعة النطاق، يمكن أن تظهر الولايات المتحدة دعمها (وكثير من المصريين لا زالوا يشككون في هذا الدعم) لجهود مصر في أن تصبح ديمقراطية، وفي الوقت نفسه الفوز مجدداً ببعض التأثير داخل البلاد. وعلى الرغم من أنه لا لزوم لوضع شروط عامة مهينة مصاحبة للمساعدات الدولية، إلا أنه يجب أن يتفق المانحون بينهم على توفير المساعدات على دفعات، وتقديم المساعدات فقط في حال استعادت مصر المسار الواضح نحو الديمقراطية، وتبنت سياسات اقتصادية معقولة، وتصرفت على نحو مسؤول في الشؤون الخارجية.

استباق التطورات

استباق الموجة المقبلة من الثورات من خلال بناء علاقات مع أولئك الداعين لعملية تغيير بناءة. والنهج الأميركي الذي أصبح له عقود من الزمن، في العمل عن كثب مع الحكومات العربية مع تجاهل كبير للداعين للتغيير داخل تلك البلدان، كان نهجاً غير ملائم، ووضع الولايات المتحدة في موقف سيئ حال دون الاستفادة مما كان يفترض أن يشكل نعمة لمصالحها وقيمها.

ولقد آن الأوان لاستباق الموجات التالية لهذه الحركة على امتداد المنطقة، وليكن واضحاً أنه على الرغم من نقص العناوين الرئيسية الواضحة في أماكن أخرى، فإن العوامل الأساسية التي تقود تلك التحولات التاريخية تحتدم تحت السطح. وفي سبيل التعامل بشكل مؤثر أكثر مع هذه الدينامية الجديدة، ينبغي أن تسعى أميركا وراء سياسة من مسارين:

1) علاقات بناءة متواصلة مع الحكومات العربية، مع توسيعها في سبيل أن تضم حوارات استراتيجية جدية وصريحة على مجموعة من القضايا الدولية والإقليمية والمحلية.

2) اتصالات أكثر قوة وتركيزاً مع المجتمع المدني والمعارضة السياسية، ودعم شعبي واضح لحقوق الإنسان العالمية وللديمقراطية. والأساس لتلك السياسة يجب أن يكون يقظة مستمرة حتى لا تقع أميركا في سذاجة دعم إصلاحات تقصر عن تلبية المطالب المحلية. ولا يفترض بأميركا أن تدعم حركات تم اختطافها من قبل جماعات غير ديمقراطية بأجندات ضيقة. بتعابير أخرى، تحتاج أميركا للعمل مع شركائها المقربين في المنطقة من أجل المساعدة في تمييز الأجندات الداعمة للقيم الأميركية عن تلك التي على نقيضها.

ومع سريان هذا العدد الكبير من التحولات المعقدة وطويلة الأمد، والتي تهز أساسات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فإنه من المغري أن تسعى قوة عظمى متعبة إلى تقليص تدخلها وتفادي مضاعفة التحديات. لكن تبخيس مخاطر عدم تحريك ساكن قد يكون الخيار الأكثر ضرراً.

 لائحة المصالح الأميركية في المنطقة

التدفق الحر للطاقة وأمن إسرائيل هما جوهر المصالح الأساسية للولايات المتحدة منذ أن ورثت أميركا عباءة الزعامة الدولية في الشرق الأوسط من بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية. وعلى الرغم من أن أميركا سوف تعتمد بنسب متناقصة على الطاقة المستوردة من الخارج بسبب الزيادة الكبيرة في إنتاج الغاز الطبيعي المحلي، إلا أنها تشعر بالقلق حتماً حيال أسعار الطاقة العالمية، ووصول شركائها الاقتصاديين الرئيسيين في أوروبا وآسيا الذين يواصلون الحصول على معظم طاقتهم من الخليج إلى الموارد. والالتزام بأمن إسرائيل هو ركن أساسي في السياسة الخارجية الأميركية.

ومنع التهديدات الأمنية المنبثقة من الشرق الأوسط، من قبيل الإرهاب أو أسلحة الدمار الشامل، كان قد أدرج على اللائحة الموجزة للمصالح الأميركية في السنوات الأخيرة. وأصبح الإرهاب مشكلة كبيرة في الستينات من القرن الماضي وأكثر إلحاحاً بعد هجمات 2001 على الولايات المتحدة. وجاء اغتيال السفير الأميركي إلى ليبيا كريستوفر ستيفنز في سبتمبر 2012 تذكيراً مؤلماً بأن الإرهاب لا زال يلازم عالمنا.

وانتشار أسلحة الدمار الشامل التي يمكن إرسالها ضد القوات الأميركية في المنطقة، أو حلفاء أميركا أو ضد الولايات المتحدة نفسها، كان مصدر قلق لعقود من الزمن، مع التركيز حالياً على منع استخدام سوريا للأسلحة الكيماوية التي بحوزتها.

وأخيراً، حثت موجة الانتفاضات التي تكتسح المنطقة العربية بدءاً من عام 2011 أوباما على إضافة بند على لائحة المصالح الأميركية، وهو دعم عملية انتقال العرب الديمقراطي.

 الدور القيادي

كان من الحكمة إنهاء الحرب العراقية وتقليص مستوى العمليات التي يقودها حلف شمالي الأطلسي «ناتو» في أفغانستان. لكن هذا لا يعني أن الانسحاب يجب أن يكون كلمة السر الأميركية، لأن هذا سيكون له نتائج كارثية على الأمن الأميركي. وكان تصور انفصال أميركا عن المنطقة، وهو التصور المشترك بين مجموعة واسعة من الحلفاء والشركاء والخصوم على السواء، قد أدى إلى حالات توتر وغموض متجددة.

ولقد آن الأوان لاستعادة دور أميركي قيادي رائد في هذه المنطقة التي تستمر في أن تكون مصدر الخطر الأكبر على أميركا وحلفائها على مدى الجيل المقبل. وإذا حاولت أميركا إدارة تلك التحديات فقط، بدلاً من أن تقود بنشاط حلفاء لديهم العقلية نفسها لمواجهتها وإيجاد حلول لها، فإنها ستواجه عالماً أكثر خطورة وعدم استقرار مما يمكن توقعه اليوم.