يجري تبرير الجهد البريطاني الساعي لتعديل قرار حظر توريد الأسلحة من الاتحاد الأوروبي إلى سوريا، بتحريف للوقائع على الأرض خدمة لمصالح ذاتية، على نحو مماثل للتحريف الذي استخدم لكسب التأييد من أجل غزو العراق منذ 10 سنوات. ففي العراق وسوريا حجب نشر الأكاذيب واقع أن بريطانيا كانت تتدخل في بلاد تختمر فيها الحرب الأهلية ،أو اندلعت فيها تلك الحرب.
وكانت طفرة من المطالبات يثير توقيتها الريبة، من قبل دبلوماسيين مجهولي الهوية، قد أشارت إلى ضرورة إرسال الأسلحة البريطانية والفرنسية إلى الثوار، لأن روسيا قد زادت إمداداتها من الأسلحة إلى الحكومة السورية. وهذا الأمر أدى إلى إخلال في توازن القوة العسكري بين الثوار والقوات الحكومية.
خطوط الصدع
وسيكون من الجميل الاعتقاد بأن خط الصدع الوحيد في سوريا هو بين حكومة استبدادية وانتفاضة شعبية تتمتع بتأييد ساحق. وإذا كان هذا الاعتقاد صحيحا ،في أي وقت مضى، فإنه بالتأكيد ليس كذلك اليوم. فسوريا مجتمع منقسم منخرط في صراع أهلي شرس.
وكان ثائر يقاتل في حلب يدعى أبو أحمد، وهو قائد وحدة في لواء التوحيد التابع للجيش السوري الحر، وليس مناصرا للحكومة، هو من قال لمراسلي وكالة "رويترز" في أوائل هذه السنة إنه يقدر التأييد للرئيس السوري بشار الأسد في حلب بنسبة 70%.
وقال: "ليس لدى أعضاء الجيش السوري الحر عقلية ثورية، وكان يوجد الكثير من الفساد في كتائب هذا الجيش، مثل السرقة وقمع الناس، وذلك يعود إلى انضمام طفيليين إلى الجيش السوري الحر".
وفي دمشق ،أخيرا، قيل إن هناك تساوي في الشعبية أو عدم الشعبية التي يتمتع بها أي من الطرفين تقريبا. ويقول أحد الأشخاص المطلعين: "يدعم حوالي 15% من السكان في دمشق الثوار، وهناك 15% يميلون للحكومة، في حين أن نسبة الـ 70% الآخرين يريدون الانتهاء من هذا الوضع برمته".
لكن إعطاء مزيد من السلاح للثوار ليس الطريقة المثلى لإنهاء الحرب، حيث لن يمنحهم هذا الأمر إلا الأمل في أنهم في حال رفضوا أي مفاوضات مع الحكومة، فإن القوى الغربية ستدفع في النهاية إلى التدخل العسكري الحاسم باسمهم.
صعود "النصرة"
وعلى ما يبدو ستذهب الأسلحة إلى الفصائل "المعتدلة" في الثورة.
لكن تطوراً صاعقاً في القتال حصل على مدى الأشهر الستة الماضية تمثل في صعود "جبهة النصرة" بوصفها القوة العسكرية الأكثر فعالية للثوار، وهي الجماعة التي تبني نفسها حول نواة من المقاتلين المتمرسين من تنظيم القاعدة في العراق، وتطلق عليها أميركا تسمية "جماعة إرهابية".
ومقاتلوها إلى جانب مقاتلي جماعات متشددة أخرى، برزوا أكثر من أي وقت مضى في الصراع على شمال سوريا وشرقها، فيما تمت تنحية الجيش السوري الحر جانبا.
ولقد تلقى الجيش السوري الحر الكثير من الدعم من السنة الفقراء في البلدات والقرى. أما الطبقة الوسطى في حلب، التي قد تكون قد فضلت بقاء الأسد في السلطة، فإنها ستميل إلى اختيار "جبهة النصرة" على الجماعات المدعومة من الغرب، لأنها تحافظ على بعض النظام.
وجانب آخر لصالح صعود "جبهة النصرة" يفترض أن يعطي لحظة من التأمل لأولئك الذين يخططون في بريطانيا وفرنسا لتسليح المعارضة في سبيل تسريع إنهاء الحرب.
وحججهم المتناقضة على نحو غريب تفيد أنه من المهم إنهاء الحرب إذا كان على سوريا أن لا تدمر بالكامل، والطريقة للقيام بذلك تتمثل في إعطاء أسلحة كافية للثوار من أجل أن يحققوا نصرا حاسما.
وليست هناك إشارة إلى حدوث هذا الأمر قريبا، بل أن حربا طويلة تعد إلى حد بعيد لصالح "جبهة النصرة".
وأدبياتها تشير إلى أنه كلما طال الصراع، ازدادت قوة المتشددين لانهم مقاتلون أكثر بأساً من حلفائهم الأكثر اعتدالا والأقل تأثيرا. ومع ذلك، فإنهم يحتاجون إلى الوقت الكافي لتأسيس انفسهم في الأرياف في المناطق حيث وجودهم ضعيف.
ويقول الدبلوماسيون إنه بعد سنتين من القتال، "لم يتمكن الثوار بعد من الاستيلاء على مدينة واحدة، ولم تجر هناك أي انشقاقات مهمة من قبل وحدات كاملة من القوات الحكومية". وهذا الأمر مختلف جدا عن ليبيا عام 2011 عندما سيطر المتمردون على بنغازي وشرق ليبيا منذ البداية وكانت هناك انشقاقات عن النظام.
نتائج متوقعة
وقد يكون هناك تغيير في الأوضاع الآن. ففي 4 مارس، وقعت مدينة الرقة شرق سوريا في أيدي الثوار، وكانت العاصمة الأولى لإحدى المحافظات التي يجري الاستيلاء عليها من قبل الثوار. ويبدو أن الجيش السوري الحر لعب دورا محدودا جدا في الاستيلاء على المدينة.
وهناك نتيجة أخرى لسقوط الرقة. فمع وقوع شرق سوريا بشكل متزايد تحت سيطرة المقاتلين السنة المتشددين، تصبح الحدود مع العراق غير واقعية.
ويصبح بإمكان تنظيم القاعدة في العراق التحرك ذهابا وإيابا عبر الحدود، حيث السكان هم من السنة على الجانبين، من دون أي عائق. وهذا الوضع هو بمثابة أخبار سيئة لاستقرار العراق أيضا.
ولدى قوات الحكومة العراقية سلطة متناقصة باضطراد في محافظة الأنبار ذات الأغلبية السنية، حيث بدأت الاحتجاجات ضد حكومة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في ديسمبر الماضي.
وفي تطور آخر، منعت البشميركة الكردية وحدات الجيش العراقي من تعزيز قواته على الحدود العراقية السورية.
وأبعاد الأزمة لم يجر استيعابها بعد. وقريبا إذا لم يكن قد حدث الأمر بالفعل، ستمتد مناطق انتفاضة العرب السنة من الفلوجة إلى الفرات إلى حلب وصولا إلى شواطئ البحر المتوسط.
تغيير محدود
من باب التمني تخيل أن توجيه أسلحة حتى ولو بكميات كبيرة إلى الثوار السوريين "المعتدلين"، سيحدث فرقا مهما في هذه المرحلة. حكومة الأسد لن تنهار مثل بيت من ورق، كما كان يبشر القادة الغربيون حتى أشهر قليلة ماضية.
والمفاوضات فقط بإمكانها إنهاء هذه الحرب، وإمدادات أسلحة جديدة سوف تؤجل هذه المفاوضات في مهدها لأن الأسلحة ستبعث برسالة إلى الثوار مفادها أنهم في يوم ما يمكن أن يحصل تدخل عسكري غربي واسع النطاق.
