أثارت الورقة البيضاء التي صدرت في فبراير الماضي الكثير من الجدل بتفصيلها سياسة إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما بشأن استخدام الطائرات الموجهة عن بعد في عمليات القتل المستهدف. ولقد برزت مجددا أسئلة خطيرة عن تلك السياسة ،خلال جلسات الاستماع في مجلس الشيوخ لتثبيت جون برينان، المدير الجديد لوكالة المخابرات المركزية الأميركية.

فقد لفت عضو مجلس الشيوخ من كنتاكي، راند بول، الانتباه إلى المخاوف الدستورية بشأن بعض ضربات الطائرات الموجهة عن بعد، وذلك باللجوء إلى الخطابة بهدف المماطلة والتعطيل في مجلس الشيوخ لمدة 13 ساعة، مؤجلا التصويت على تثبيت برينان إلى حين.

تأطير الأسئلة

وكان المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض جاي كارني قد دافع عن سياسة الطائرات الموجهة عن بعد، مؤكدا أنه بعد إصدار مذكرة فبراير"فإن تلك الضربات قانونية وأخلاقية وحكيمة". وبدلا من إنهاء النقاش، عمل هذا التصريح على تأطير الأسئلة الرئيسية الثلاثة التي يفترض أن يسألها الأميركيون حول سياسة الطائرات الأميركية الموجهة عن بعد. أولا - هل هذه السياسة تعد قانونية؟ التبرير القانوني غير واضح بسبب إطارين متنافسين للعمل، هما قانون الصراع المسلح ونهج العدالة الجنائية.

فمن جهة، تبنت إدارة أوباما نموذج العدالة الجنائية، وابتعدت عن لغة "الحرب العالمية على الإرهاب"، وهي تبحث في محاكمة المتآمرين في هجوم الحادي عشر من سبتمبر في محاكم مدنية. من جهة أخرى، تبنى أوباما المبدأ الأساسي في نهج الحرب، من خلال الانخراط في عمل تنفيذي بغرض استهدف أعداء الدولة وقتلهم، بما يتجاوز الإجراءات القانونية الواجبة لنظام العدالة الجنائية.

غموض أخلاقي

ثانيا - هل تعد هذه السياسة أخلاقية؟ يبرز الغموض الأخلاقي في السياسة الأميركية المتعلقة بهذه الطائرات من تلك المنطقة الرمادية التي تفصل تطبيق القانون عن الحرب. ونهج "تطبيق القانون" يسعى إلى توقع التهديدات والرد على الهجمات، ويمارس دور الشرطي ويرد وفقا للنموذج التقليدي للدفاع والحرب.

ومن جهة أخرى، فإنه لا توجد "للحرب على الإرهاب" نقطة نهاية، ومسرح عملياتها في كل مكان على الأرض. والجهد المطلوب لهزيمة تنظيم القاعدة واتباعه يشبه قتالا ضد عصابات إجرامية أكثر مما يشبه حربا تقليدية. ولن يكون هناك أبدا ملاذ آمن من الإرهاب بالكامل، ولن تكون هناك أبدا هدنة.

ومثل هذا القتال يتطلب مرونة ومجالا للحركة، بما يتجاوز العوامل التقليدية للحرب. وبالتالي فإن الحجة الأخلاقية الأقوى لصالح ضربات الطائرات الموجهة عن بعد تتركز في الكفاءة. وقوة سياسة الطائرات الأميركية الموجهة عن بعد تتضمن الاستهداف الدقيق، والأضرار الجانبية المحدودة، ومنع الجنود من الانتقال إلى وضع القتال الشامل، والتعرض للقتل.

لكن هذه الفضائل كلها تحدها عوائق. ونحن نعي أخطاء الاستهداف، والروايات المأساوية عن القتل غير المتعمد لأناس أبرياء، وتكمن الخشية من قلب تلك الطائرات الرأي العام الأجنبي ضد الولايات المتحدة. وعندما تكون المخاطر عالية جدا، فهل تبقى حجة الكفاءة جيدة بما فيه الكفاية؟

ومن الأسئلة التي تثير مخاوف أخلاقية محددة الأسئلة المتعلقة بالإجراءات القانونية الواجبة وبالمساءلة. من يأخذ القرارات بشأن هوية الأهداف، أو ما إذا كان سيجري تنفيذ الضربة؟ وما هو الإجراء المتبع وعملية الإشراف على تلك الطلبات؟ ومجددا نرى هنا خطوطا غير واضحة.

المساءلة والقانون الدولي

ومن المهم أن يكون برنامج الطائرات الموجهة عن بعد عملا تنفيذيا تديره وكالة المخابرات المركزية الأميركية، محميا إلى حد كبير من قوانين الحرب الدولية. ومساءلة وكالة المخابرات المركزية الأميركية تأتي من خلال إشراف الكونغرس، وهذه آلية قد لا تكون مناسبة على النحو الأمثل في صياغة التوجيهات لعمليات الطائرات الموجهة عن بعد ومراقبتها وتطبيقها. ومع تطور هذا الإشراف، لا بد من حماية القيم الأميركية عبر ضوابط وتوازنات مناسبة على برنامج الطائرات الموجهة عن بعد لوكالة المخابرات المركزية الأميركية.

ثالثا - هل تعد حكيمة؟ إن إحدى سمات القرار الحكيم أنه يدوم أمام اختبار الزمن. وسياسة الطائرات الأميركية الموجهة عن بعد سوف تعتبر حكيمة فقط إذا تمكنت من الإجابة على الأسئلة المطروحة أنفاً والمزيد من الأسئلة وفقا لهذه الخطوط.

 

المهمة المقبلة

ندرك من التاريخ أنه في كل مرة كانت أميركا تذهب فيها إلى الحرب كانت تصاحبها عبارات عن ضبط النفس. والقوة وضبط النفس يسيران جنبا إلى جنب. والطائرات الموجهة عن بعد هي من الأمثلة الأخيرة لمفارقة الحرب تلك.

والحرب الأهلية أدت إلى بروز مجموعة من القواعد الواجب اتباعها أثناء الحرب تدعى "مدونة ليبر"، وقواعد الاشتباك تلك جرى ترديدها أخيرا في اتفاقيات لاهاي عام 1899 و1907. والحروب العالمية جاءت بمبادئ إنسانية منصوص عليها في معاهدات جنيف.

 لقد برزت وسائل جديدة لاستخدام القوة من صراعات القرن الحادي والعشرين، ويجب أن تلي ذلك قواعد وتوقعات أخلاقية جديدة: وإيجاد تلك القواعد الجديدة هو العمل الحيوي الذي يفترض القيام به الآن. والكونغرس بمدخل تنفيذي هو المكان المناسب لذلك. وجلسات الاستماع لتثبيت فريق الأمن القومي الجديد يجب أن تكون بداية المسار وليست نهايته.