يرى القائد السابق للقوات الأميركية وقوات حلف شمالي الأطلسي "ناتو" في أفغانستان الجنرال ستانلي ماكريستال، الذي نشر مذكراته، أخيرا، تحت عنوان "حصتي من المهمة"، الخطر في تفسير ما قامت به أميركا في العراق على أنه "ترياق" للحروب المستقبلية.
وأكد في المقابلة التي أجرتها معه مجلة "فورين أفيرز" أنه ليس ممكنا احتساب أعداد المقاتلين في حالة التمرد، كما في حالة القوات النظامية، وبالتالي يعد فهم الرغبة وراء انضمام الناس إلى المتمردين أمرا بالغ الأهمية، مؤكدا أن أميركا لم تتناغم تماما مع جهود الحرب التقليدية في العراق إلا بحلول عامي 2006 و2007.
وأكد أن التكتيكات التي طورتها أميركا لا تنتج تأثيرات حاسمة في ظل غياب نشاطات مكملة أخرى من التعاون، وأن ضربات الطائرات الموجهة عن بعد قد تبدو لدى الولايات المتحدة محفوفة بمخاطر ضئيلة جدا، إلا أنها بالنسبة للطرف المتلقي لها تبدو كحرب فعلية. وقال إنه يتعين على الأميركيين بالتالي أن لا يستغربوا إذا جرى الرد على هذه الضربات بقنبلة انتحارية في منطقة حساسة في وسط أميركا.
وفي ما يلي نص الحوار:
كتب أحد المؤلفين المعروفين في مجلة "فورين أفيرز"يقول إن :"ماكريستال بوصفه القائد العام للقوات الأميركية الخاصة المشتركة، أشرف على تطوير آلة قتل تتسم بالدقة بشكل غير مسبوق في تاريخ الحروب الحديثة"، فماذا كان يقصد بذلك؟
شاركت في إطار الجهود التي ندعوها العمليات الخاصة "تاسك فورس 714". وعندما بدأت جهود محاربة الإرهاب ضد تنظيم القاعدة كانت هذه الجهود تتسم بضيق الأفق من قبلنا والمركزية، كنا نقوم بعمليات متفرقة على درجة عالية من الذكاء وبمستوى مرتفع جدا من السرية.
وكان هذا الأمر مناسبا جدا في البيئة المحيطة التي سبقت الحادي عشر من سبتمبر، لكن في البيئة التي تلت ذلك، لا سيما في العراق بعد مارس 2003، اتسع نطاق تنظيم القاعدة والحركات المرتبطة به بشكل كبير.
وهذا منحنا شبكة أعداء لم يكن ممكنا الرد عليها فحسب، وإنما كان علينا أن نعمل على تفكيكها، كما منحنا ساحة معركة شديدة التعقيد، ليس الإرهاب فحسب، وإنما أيضا المشكلات الاجتماعية والتمرد والعنف الطائفي أيضا.
بالتالي، فأول شيء قمنا به عندما تسلمت القيادة في أواخر عام 2003، كان الإدراك بأننا نحتاج إلى فهم أفضل للمشكلة. وللقيام بذلك، كان يتعين علينا أن نتحول إلى شبكة، أي أن نكون واعين بكل جوانب ساحة المعركة، حيث أنه في كل مرة يحصل شيء ما، ونعمل على جمع الاستخبارات أو الخبرة منه، تتدفق المعلومات بسرعة كبيرة.
والشبكة كانت لديها درجة عالية من الانتشار الجغرافي. وعند نقطة واحدة، كنا في 27 دولة بشكل متزامن. وفي العراق، تواجدنا في 20 إلى 30 موقعا معا كانت على اتصال ببعضها بعضا عبر استخدام التكنولوجيا الحديثة، علاوة على العلاقات الشخصية. وهذا منحنا القدرة على التعلم من التحدي الذي كان يشهد تغيرا متواصلا.
وفي أغسطس عام 2004، كانت فرق العمل لدينا تشن 18 غارة في مجمل العراق. وكنا نعتقد أنها سرعة فائقة. كانت تلك الغارات شديدة الدقة. لكن بمقدار ما كانت تصيب تلك الغارات ال18 هدفها، إلا أنها لم تتمكن من إحداث تأثير في العمل المسلح المشتعل.
وبعد سنتين، في أغسطس 2006، اصبح لدينا ما يصل إلى 300 غارة في الشهر، بمعدل عشر غارات في الليلة الواحدة. وهذا كان يعني أن الشبكة كان عليها العمل بسرعة لم نكن نتصورها. كان يفترض أن تكون لديها لا مركزية في اتخاذ القرار، لأنه لا يمكن التركيز على 10 غارات في ليلة، بالتالي، كان يجب أن نتفهم جميعها جيدا، كما كان علينا أن نسمح للعناصر التابعة لنا أن تعمل بسرعة كبيرة.
لكن أيضا كان علينا أن نتحلى بالقدرة على أن نأخذ كل تلك الأفعال، ونجعلها تعني شيئا ما، لأن الأمر لا يتعلق فقط بإلقاء القبض على الناس أو قتلهم، بل بما يجري بالتزامن مع الحملة الأوسع نطاقا. وهذا استغرق منا المزيد من الوقت، ونحن بالفعل لم نتناغم تماما مع جهود الحرب التقليدية في العراق حتى عام 2006 و2007.
هل تغيرت تكتيكات العمليات الخاصة تحت قيادتك بأي شكل من الأشكال؟
التغيير في العمليات وفي العقلية كان إلى حد بعيد الجزء الأكثر أهمية في الأمر. لكن، على الصعيد التكتيكي، كانت هناك بعض الأشياء التي تغيرت، وجزء منها كان التكنولوجيا. ولقد بدأنا مع قوات خاصة مدربة جيدا. لكن أمورا ثلاثة تغيرت.
الأمر الأول هو أنظمة تحديد المواقع العالمية. وهذه سمحت بأن نكون تماما حيث نريد أن نكون دون تقطع، والإبحار من نقطة "إيه" إلى نقطة "بي" لم يعد جانبا مهما من المهمة بعد الآن.
الأمر الثاني كان استخدام الجنود نظارات الرؤية الليلية، وكذلك معدات الرؤية الليلية على الطائرات وأشياء أخرى. ومجمل قوتنا كانت تعمل مستخدمة الرؤية الليلية. كانت لدينا أضواء ليزر على أسلحتنا وإضاءة بالأشعة تحت الحمراء إذا كانت الظلمة دامسة. ونتيجة لذلك، تمكنا من الهيمنة على المعارك في الليل وعلى العمليات الليلية بشكل مؤثر.
والأمر الثالث كان استخدام أشياء مثل الطائرات الموجهة عن بعد "بريديترز"، وبعض الطائرات المأهولة. والاختراق الأهم كان في إرسال الإشارات أو صور الفيديو إلى القيادة أو القوة على الأرض في الوقت الحقيقي. وهذا لا يعطي وعيا بالظروف بشكل كامل فحسب، بل يسمح أيضا بالرؤية الثاقبة لساحة المعركة.
وتقليديا، عندما كنا نقوم بغارة نعتقد أننا سنحتاج لإتمامها إلى 20 من عناصر القوات الخاصة، كنا نأخذ ربما 120 من هذه القوات، لوضع قوات أمنية حول الموقع لحمايته من تعزيزات العدو، ولاحتساب ما هو غير متوقع.
لكن عندما يكون لدينا وعي بالظروف واتصالات جيدة، فإننا نرسل فقط 20 من القوات الخاصة، لأن أمننا يأتي من القدرة على الرؤية، ومن ثم يمكننا المناورة بالقوات إذا كنا بحاجة إليها. بالتالي وبشكل مفاجئ لم يعد 120 من القوات الخاصة يقومون بغارة واحدة، بل بست غارات بشكل متزامن، واصبح بالإمكان القيام ب 300 غارة في الشهر.
وهذا الأمر مهم، لأنه إذا كنا نسعى وراء شبكة العدو، فإنه لا بد أن نحاول شل جهازها العصبي. فإذا قمنا بضرب الشبكة بشكل متقطع، لن تشفى فحسب، بل قد يجادل البعض أنها ستصبح أكثر قوة بسبب اعتيادها على الأمر. لكن إذا كان بالإمكان ضربها في مواقع كافية بشكل متزامن، ستعاني كثيرا قبل أن تستعيد نشاطها. ومن هنا بدأنا في تكوين تأثيرات حاسمة.
في كتابك، تأخذ وجهة نظر مناقضة حول التغيير من حقبة كايسي إلى حقبة بترايوس في العراق. كم كانت حاسمة عملية التغيير في القيادة العسكرية و"خطة زيادة القوات"، وكم كان منها مجرد تطور طبيعي لما كان يجري في العراق منذ سنوات أصلا؟
يميل الناس إلى تبسيط الأمور. ثم يحاولون القول "كل شيء كان فاشلا هنا، ثم اصبح كل شيء جيدا" أو "هذا القرار كان حاسما". وأنا لم اجد شيئا بهذا الوضوح في المجمل. وجدت أن الخطوة نحو مكافحة التمرد خطوة تدريجية اكثر منها مفاجئة. ولقد بدأت تحت قيادة الجنرال كايسي، وهو دفع بها.
وأقول إنه عندما اتخذ الرئيس الأميركي قرار خطة زيادة عدد القوات، تقاطع هذا القرار مع بعض الأشياء التي كانت تحدث حينها في العراق. كان السنة العراقيون قد تحرروا أكثر من أوهامهم بشأن تنظيم القاعدة، ولأسباب وجيهة.
واعتقد أن السنة أيضا توصلوا إلى الاستنتاج أنهم كانوا يقاتلون الائتلاف، وأننا كنا نكيل الضربات القوية ضدهم. بالتالي اعتقد أنهم قالوا لأنفسهم: "من الأفضل أن لا نقاتل في الجانب الخطأ". وكان الناس متعبون، وغير متأكدين مما يحصل.
ومن ثم فجأة، يقول الرئيس الأميركي جورج بوش بشكل مسرحي مؤثر: "حسنا سنقوم بمضاعفة الرهان بأمل تحسين الوضع" وعلى الرغم من أن الناس علموا أن هذه الزيادة لن تكون دائمة، إلا أنني اعتقد انه كان هناك شعور بأن هذا سيدفع بالأمور إلى تجاوز حافة الانزلاق نحو الهاوية.
ثم كان هناك بالطبع الجنرال بترايوس الذي جلب مستوى من الطاقة والتزاما في حملة مكافحة التحرك المسلح.
ما هي الدروس التي تعلمتها من جولاتك في العراق وأفغانستان؟
عندما بدأنا في العراق كان السؤال "أين هو العدو؟" وكان هذا السؤال الاستخباري. وبعد أن اصبحنا اكثر ذكاء، بدأنا نسال "من هو العدو؟"، واعتقدنا أننا أذكياء جدا. ومن ثم ادركنا أن هذا ليس السؤال الصحيح، فسألنا بعد ذلك: "ماذا يقوم به العدو أو ما يحاول القيام به؟" ولم نسأل إلا بعد أن مضينا في المسار أبعد: "لماذا هم يمثلون العدو؟"
ولن تدرك فعلا أن هذا ما كان يتعين عليك فهمه، لاسيما في خطة مكافحة التمرد، إلا بعد أن تسير في هذا الدرب الفكري، حيث أن عدد المتمردين لا يعتمد على الإطلاق على الحساب البسيط. في الحرب العالمية الثانية، كان بإمكان الجيش الألماني أن يوجد عدد محدد من الذكور بسن الخدمة العسكرية.
لكن في التمرد، فان عدد المتمردين لا يحدده تعداد السكان، لكن عدد الناس الذين يرغبون في أن يكونوا من المتمردين. بالتالي، تحديد لماذا يرغبون في أن يصبحوا متمردين يعد أمرا بالغ الأهمية. وهذا شيء لم نمارسه من قبل.
ثانيا، الأمر كله يتعلق بفرق العمل، ليس هناك من احد يكسب الحرب وحده. وكان لدينا التميز في قواتنا. وكان الأمر يتعلق: "ما مقدار إدائي الجيد لمهمتي؟ وفي التحليق بالطائرة وإلقاء القنابل، وفي تحديد العدو؟" لكن هذا الأمر ليس بأهمية تناغم كل هذه القطع معا، الأمر يتعلق بالتعاون مع الوكالات المدنية، والقوات التقليدية، ومحاولة ربط كل هذه الأجزاء معا، هنا يكمن فن الحرب، وهو الجزء الصعب.
تشكيك في صلاحية تعميم الوسائل
شكك القائد السابق للقوات الأميركية وقوات حلف شمالي الأطلسي "ناتو" في أفغانستانستانلي ماكريستال بأن تكون الوسائل التي كان رائدها في العراق تصلح للتعميم على مستوى العالم، وهي التي كان قد تبناها كل من الحكومة والشعب الأميركي كنهج عام في سبيل معالجة الحروب الصغيرة غير النظامية، بطريقة تحد عن وضع كثير من الجنود على الأرض في مقابل صرف النظر عنها كليا.
ويقول إنه بالعودة إلى التكتيكات البريطانية على الجبهة الشمالية الغربية، باعتماد السياسة العقابية "الجزار والمزلاج"، كان البريطانيون يحرقون المنطقة ويعاقبون الشعب ويقولون: "توقفوا عن القيام بذلك" ويقدمون راتبا إلى القائد ويقولون له: "إذا بقيت صديقا لفترة من الوقت، فسوف ندفع لك"، ويؤكد أن هذا النهج عمل لفترة مقبولة من الزمن، وتمكن من معالجة المشكلات في الأطراف، لكنه بالتأكيد لم يحل المشكلات.
ويرى أن التكتيكات التي طورها الجيش الأميركي تعمل، لكنها لا تنتج تأثيرات حاسمة في ظل غياب نشاطات مكملة أخرى، ويقول: "لقد قمنا بالاعتقال والقتل في العراق لسنوات عدة قبل أن يصبح لهما التأثير الحقيقي، وهذا جاء فقط عندما دخلنا في شراكة مع نهج فعال لمكافحة التمرد". ويؤكد أنه على الرغم من أن ضربات الطائرات الموجهة عن بعد بالنسبة للولايات المتحدة تبدو أن لديها مخاطر ضئيلة جدا، وتسبب آلام محدودة حدا، إلا أنها بالنسبة للطرف المتلقي لها، تبدو بمثابة حرب.
ويضيف: "إذا كنا سنستخدم قدراتنا التكنولوجية بإهمال، ولا اعتقد أننا نفعل ذلك، لكن هناك دوما خطر أن نفعل بذلك، فلا يجدر بنا أن نستاء عندما يرد احدهم علينا بقنبلة انتحارية في سنترال بارك، لأنه هذا ما يمكنهم أن يردوا به".
التفسير الخطأ
يرد القائد السابق للقوات الأميركية وقوات حلف شمالي الأطلسي "ناتو" في أفغانستان ستانلي ماكريستال، على السؤال حول تأثير نجاح جهوده في العراق على السياسة الأميركية، لا سيما لناحية المبالغة في التشديد على استخدام العمل المباشر كالقوات الخاصة والغارات وهجمات الطائرات الموجهة عن بعد والقتل المستهدف، بدلا من التدريب وبناء القدرات المحلية، قائلا: "إن الخطر في قوات العمليات الخاصة أنها تشعرك بالرضا، فهي نظيفة وخطورته متدنية، وهي الدواء لكثير من الأمراض.
ولهذا فإن العديد من الرؤساء الجدد كانوا معجبين بأداء وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في البدء، لأنها تقدم لهم معالجة سرية لمسألة معقدة، لكن إذا عدت إلى الوراء في التاريخ، فلا يمكنني أن اجد أي معالجة سرية أدت إلى حل مشكلة على المدى الطويل، كانت هناك بعض التحركات السرية الضرورية، لكن لا يوجد "زر سهل" لبعض هذه المشكلات.
وهذا هو الخطر في تفسير ما قمنا به في العراق بانه ترياق للحروب المستقبلية، وهو ليس كذلك".

