أصبح الاحتجاج أسلوب حياة لدى كثير من المصريين في كل أنحاء البلاد. ويبدو الجميع متذمرا من الأوضاع، ومدركا لوجود شيء فاسد في الدولة المصرية، لكن هناك إجماعا ضئيلا حول كيفية تصحيح الأوضاع. ومشاهد المتظاهرين الغاضبين وهم يحرقون المباني ويختنقون تحت سحب قنابل الغاز المسيلة للدموع أصبحت مشاهدة تلفزيونية روتينية، لدرجة أن معظم رواد المقاهي يحدقون ببساطة في الشاشة ويتنهدون قبل استئناف محادثاتهم أو لعبة الدومينو.
وأخيرا، لم ترض المحاكم المصرية أيا من الأطراف، بتأكيدها الأحكام بحق المتورطين في أعمال الشغب السنة الماضية خلال مباراة لكرة القدم بين نادي الأهلي القاهري ونادي المصري البور سعيدي، عندما أزهقت أرواح 74 شخصا، معظمهم من أنصار الأهلي. ويعتبر سكان بور سعيد الأحكام التي تتراوح ما بين الإعدام والسجن 15 عاما شديدة القسوة على شبابهم، والألوف صبوا جام غضبهم في الشوارع، فيما حاول آخرون تعطيل حركة المرور في قناة السويس من خلال فك رباط المراكب السريعة وإلقاء الإطارات المشتعلة في المياه.
وقد طالبت راية كبيرة منصوبة فوق مدخل الميناء بانفصال المدينة عن مصر، مرددة أصداء إجراء سبق أن اتخذته مدينة المحلة عندما أعلنت استقلالها السنة الماضية. وأخيرا، سحبت وزارة الداخلية قوات الشرطة لديها من بور سعيد على أمل تهدئة التوترات. وظاهريا، يملك الجيش السيطرة على المدينة الآن، غير أنه يتجنب مهام الشرطة ،معلنا أنه مسؤول فقط عن حماية المباني الحكومية والقناة.
والمزاج العام هو مزاج من التردد والقلق. ومن الواضح أن الحكومة التي طغت عليها معارضة عنيفة وجهاز أمني منهار، حيث أن 30 مركز شرطة حول البلاد في حالة إضراب، تعد حكومة فاقدة الاتجاه والسيطرة، لدرجة أن أعدادا متزايدة من المصريين أصبحت في حنين "للأيام الخوالي الطيبة"، عندما كان الرئيس المصري السابق حسني مبارك على رأس السلطة. ولقد أصبح ظهور لافتات تطلب المغفرة من مبارك المعتل صحيا والذي يقبع وراء القضبان، أمرا شائعا.
تغير الأوضاع
كذلك، يطالب كثيرون الجيش بالتدخل وان يبرهن على جديته، وهؤلاء يوقعون توكيلا شخصيا موجها للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، وهذا أمر مثير للسخرية حيث إنه منذ بضعة اشهر فقط كانت فكرة الانقلاب العسكري عبارة عن أمر بغيض بالنسبة للجميع تقريبا. ويعيش الرئيس محمد مرسي في مأزق. فنهج استبدادي لن ينفع إلا في إثارة الغضب المتزايد لدى الأمة التي عانت لأكثر من 30 عاما من نير دكتاتورية فعلية. وفي المقابل، تعمل سياسة عدم التدخل في الاقتصاد "دعه يعمل دعه يمر"، على تركيع البلاد اقتصاديا. وعدم الاستقرار أدى إلى تراجع أصدقاء مصر الإقليميين بجيوبهم الملآنة، والاستثمار جف وكذلك السياحة. والجنيه المصري يتراجع بشدة في مقابل الدولار، وكان تأثير ذلك أن ازدادت أسعار المواد الغذائية والأدوية وغيرها من السلع بنسبة كبيرة قدرها 15%. ومع انكماش احتياطي النقد الأجنبي، فان الوضع على الأرجح سيزداد سوءا.
ومحاولة الحكومة رفع الضرائب على المداخيل والأملاك والمبيعات وفقا لشروط صندوق النقد الدولي بالارتباط مع قرض قيمته 4.8 مليارات دولار، تؤثر بشكل حاد على فقراء البلاد، حيث ما يقدر ب50 مليون نسمة يعيشون تحت خط الفقر. وثورة الجياع تبدو حتمية إلا إذا شهد الوضع القائم تغييرا دراماتيكيا.
والديمقراطية لا تحسن صنيعا هي أيضا. وكانت محكمة قد أوقفت الانتخابات البرلمانية التي كان من المقرر البدء بها في 22 أبريل لأنه يفترض مراجعة القانون الانتخابي، الذي ادعت المعارضة أنه يعمل لصالح الإسلاميين، أولا من قبل المحكمة الدستورية. وفي شتى الظروف، فإن معظم أحزاب المعارضة، بما في ذلك القابعة تحت مظلة جبهة الإنقاذ الوطني برئاسة محمد البرادعي وعمرو موسى وحمدين الصباحي، تعهدت بمقاطعة هذا الاقتراع.
النهج المنطقي
لقد آن الأوان لمرسي أن يتوقف عن إضاعة الوقت فيما بلاده تحترق. ونظرا لانتماءاته إلى جماعة الإخوان المسلمين، فإنه لا يمكن أن يكون الموحد الذي تحتاجه الأمة اكثر من غيره في هذه المرحلة من التاريخ. وحكومة وحدة وطنية تمثل كل الأطراف من مختلف الأطياف السياسية والدينية، وتتألف من سياسيين وتكنوقراطيين عريقين، تعتبر السبيل الوحيد المنطقي للانطلاق إلى الأمام.
سبيل وحيد
لم يعد هناك من يصدق إصرار الرئيس المصري محمد مرسي على انه جاء إلى الرئاسة من خلال صناديق الاقتراع، عندما لم يعد لكثير من المصريين إيمان في هذا الصندوق بعد معرفة أن الإخوان المسلمين كانوا يبيعون اللحوم بأسعار مخفضة أو يهبونها إلى المناطق الأكثر فقرا استعدادا للانتخابات البرلمانية في أبريل. فهل هذا نظام رعاية اجتماعية أم شراء للأصوات؟
وحكومة وحدة وطنية تمثل كل الأطراف من مختلف الأطياف السياسية والدينية، وتتألف من سياسيين وتكنوقراطيين عريقين، تعتبر السبيل الوحيد المنطقي للانطلاق إلى الأمام. ومرسي يجب أن يقر انه لا يمكنه القيام بهذا الأمر بمفرده ويمد يده إلى المعارضة. ويمكن أن نقتطف من أقوال هنري فورد حين قال "الفشل هو مجرد فرصة للبدء من جديد، وهذه المرة بمزيد من الذكاء".
