يتهم المنتقدون الرئيس الأميركي باراك أوباما بأنه يكافئ الرئيس المصري محمد مرسي لمسايرته الأهداف الأمريكية كما كان يفعل سلفه. فهل يعد هذا الاتهام منصفاً؟ يستحق أوباما في النهاية أن ينسب له قبوله علناً باختيار الشعب المصري لحكومة إسلامية بعد سنوات طويلة كانت تنظر فيها واشنطن إلى أية شراكة مع الإسلاميين على أنه سلوك غير مقبول. لكن يصح القول أيضا إن الإدارة لم تقم برد الفعل الكافي عندما جعل مرسي نفسه محصناً في وجه القضاء، وفرض تمرير دستوره غير الليبرالي، وأظهر ازدراءه لخصومه. وعلى الرغم من استحالة إقامة البرهان على ذلك، إلا أن مرسي قد يكون شعر بأن هذا الصمت الاستراتيجي يعطيه تفويضا مطلقا في مواصلة السير في هذا الطريق القائم على استبداد الأغلبية.
ودعونا نقل أن أوباما أخطأ في اتخاذه جانب الحذر مع مصر. وهذه في النهاية طبيعته. ونمط أوباما العام في الربيع العربي كان يعمل على القيام بالأشياء الصحيحة، لكن متأخرا قليلا. بالتالي ماذا سيحدث الآن؟ ما هو رأي مسؤولي الإدارة الأميركية بمرسي، وكيف يعتقدون أنهم سيؤثرون على تصرفاته؟ الإجابة المختصرة عن ذلك هي أنهم يعتقدون بأن مرسي والدائرة التي تحيط به لا يعرفون كيف يتعاملون مع الوضع، وهم يشعرون بقلق أكبر حيال عدم كفاءتهم اكثر مما يقلقون من تعصبهم. يقول أحد المسؤولين: "إنهم مجموعة من الأشخاص الذين قضوا في السجن 40 عاماً، ولا يدركون ما الذي يفعلونه، وهم مصابون بجنون الريبة ويرتكبون عددا كبيرا من الأخطاء. لكن لا يوجد بديل إلا الدفع بهم قدما في الطريق الديمقراطي". وباختصار، فإن مرسي يعد الرجل الخطأ في الوقت الحالي، لكنه الرجل الوحيد، ويجب حضه على التحرك، بل ويمكنه فهل ذلك.
ونظرة الإدارة للمعارضة أنها غير فعالة وكسولة وغير منظمة وهي تفضل التعبير عن استياءها في القاهرة من خوض حملات في الأرياف. وعندما زار وزير الخارجية الأميركية جون كيري القاهرة أخيراً، تحدث إلى شخصيات قيادية، بمن في ذلك محمد البرادعي وعمرو موسي، وحضهما على عدم مقاطعة الانتخابات البرلمانية المقبلة. والشعبية المتدهورة لمرسي يفترض أن تسمح لخصومه بأن يحققوا مكاسب جدية، على الرغم من أن العديد من تلك المكاسب قد تذهب إلى المتشددين بدلاً من العلمانيين. وتأجيل الانتخابات يعطي المعارضة الوقت الكافي لإعادة النظر بقرار سيئ جدا.
وأخيراً، يبدو أن الإدارة الأميركية تشعر بالراحة مع الجيش المصري أكثر من أي مؤسسة أخرى. والمنطق يذهب في الاتجاه التالي: الجيش خلع مبارك وسلم السلطة إلى رئيس منتخب، وساعد في بقائه حتى الآن. ويقول أحد المسؤولين: "كان الضباط المصريون حاسمين في التعاون مع الإسرائيليين، ولقد أحسنوا صنعاً على الحدود وهدموا الأنفاق الفلسطينية". كما أن الإدارة غير مهتمة بقطع المساعدات العسكرية أو إعادة جدولتها جدياً كما اقترح كثير من المحللين. والخوف في واشنطن هو من أن تدفع القيادة البائسة لمصر البلاد إلى حافة الهاوية. والسيناريو الكابوسي يتمثل في عدم قدرة مصر على دفع فواتيرها، مما سوف يدفع بنصف سكان القاهرة إلى ميدان التحرير. وقد يشعر الجيش أن عليه تولي زمام الأمور مجدداً. وهذه المشكلة الملحة الآن.
وخلال وجوده في القاهرة، تذمر كيري في العلن بشأن الحاجة إلى التوصل إلى اتفاق بشأن القرض، وفي السر طالب مرسي بضرورة اتخاذ خيارات سياسية صعبة، وأن يبدأ العمل مع المعارضة. ولقد قدم كيري حوافز: دفعة على الحساب بقيمة 250 مليون دولار على مبلغ المليار دولار الذي وعد بتوفيره أوباما، بالإضافة إلى 300 مليون دولار إضافية ما إن يوقع مرسي الصفقة مع صندوق النقد الدولي.
بالتالي، كانت الأدوات الشاملة عبارة عن: حوافز مالية متواضعة، نصائح خاصة مع تشجيع في العلن، دون أي تدابير عقابية. فهل هذا يعد فعلاً رداً كافياً على أزمة بهذا الحجم يعاني منها المعقل التاريخي للعالم العربي؟ لكنه يبقى أفضل بكثير من حجب المساعدة الاقتصادية حتى قيام مصر بالتغيرات السياسية، حيث إن ذلك سيضمن عمليا نوع المصيبة التي ستجعل المساومة السياسية أقل مخاوف مصر. وفي كتابه الأخير، "الأمة التي يمكن الاستغناء عنها"، يشير المؤلف فالي نصر إلى أن الولايات المتحدة قدمت مساعدة واسعة النطاق عندما اجتاحت الموجات الديمقراطية أميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية، لكنها قدمت مساعدات تافهة في العالم العربي، لا سيما إلى مصر. وهذا الأمر صحيح، فحتى وعد أوباما بتقديم مليار دولار يتألف في معظمه من ضمانات قروض.
وفيما ليبيا وتونس لن تحتاجا إلى مساعدات مالية كبيرة، فإن مصر تحتاج إليها. ولقد بدأت الإدارة في العمل على خطة متعددة الأطراف لزيادة الاستثمار الخاص في الدول العربية التي تتحول إلى الديمقراطية. لكن لم تعد هناك خطط كخطة مارشال في المستقبل القريب. فالخزانة فارغة.
وأوباما قام بما يستطيع القيام به في مصر. لكن هذه الحقيقة نفسها تقودنا إلى حدود الممكن. والديمقراطيات العربية الضعيفة وتلك التي تمضي على طريق الديمقراطية تحتاج إلى مساعدة ماسة، لكن أيضا مساعدتها اكثر صعوبة. وليس هناك الكثير الذي بإمكان الإدارة القيام به لجعل المعارضة السياسية في مصر تنخرط في السياسات الديمقراطية، وليس هناك الكثير الذي يمكن فعله لجعل مرسي يدرك أن الفوز بأكثرية برلمانية لا يخوله عدم مراعاة خصومه. والولايات المتحدة لم يعد لها المخلب الذي يخدش بعد الآن. وأولئك الذين يقولون إن أميركا أضعف مما كانت عليه، هم على حق.
قلق حقيقي
الرئيس الأميركي باراك أوباما قلق من انهيار مصر أكثر من قلقه من انزلاق مصر نحو الاستبداد. فالخزانة المصرية لديها ما يوازي ثلاثة أشهر من النقد الأجنبي، في ظل عدم مجيء أموال إضافية. وقرض صندوق النقد الدولي بقيمة 4.8 مليارات دولار، يمثل الفرصة الوحيدة أمام القاهرة لتجنب خطر الإفلاس. لكن صندوق النقد الدولي يطالب مصر بإجراء بعض الإصلاحات المؤلمة سياسياً، وفوق كل شيء خفض الدعم الذي يبقي أسعار الطاقة والغذاء متدنية. وجواب مرسي أنه ينبغي أن تبلغ واشنطن صندوق النقد الدولي بإعطاء المال لمصر لا غير.
