إذا كانت حربا العراق أو أفغانستان قد علمتانا شيئا، فهو أن التدخل الأجنبي ليس سهلا على الإطلاق، وسوريا ستكون بالتأكيد أقل قابلية للتنبؤ بما سيحدث فيها بين الجميع.

فقد مضت سنتان والبلاد غارقة في الدماء منذ أن أشعلت التظاهرات الأولى ضد الرئيس السوري بشار الأسد في سوريا فتيل الحرب الأهلية. قد يكون الثوار أحرزوا تقدما بطيئا، لكن النظام القاتل لا يتراجع. وأكثر من 70 ألف شخص أزهقت أرواحهم حتى الآن، وحوالي مليونين هجروا داخل البلاد، ومليون آخر في مخيمات لللاجئين ما وراء الحدود. لكن الصراع يسير في طريق عسكري مسدود بلا نهاية في الأفق لحالة البؤس تلك، فيما تشتد قوة انتشار التأثير الجيوسياسي المهلك.

توقعات قاتمة

والتوقعات قاتمة. وعلى الرغم من أن المعارضة هي اكثر تماسكا مما كانت عليه من قبل، إلا أن الحالة شبه الفوضوية على الأرض تؤكد أن البلاد أصبحت محط جذب للمتشددين من مختلف أنحاء العالم. ولقد قالت مصادر استخبارية لصحيفة "إندبندنت" أخيرا إن سوريا هي الآن الوجهة المفضلة للمتشددين البريطانيين.

ولا تشكل هذه الدفعة القوية للتشدد الخطر الوحيد. فالصراع الفوضوي في سوريا يورط جيرانها أيضا على نحو متزايد، فماذا عن الضربة الجوية الإسرائيلية قرب دمشق في يناير الماضي، بزعم القضاء على أسلحة ثقيلة في طريقها إلى "حماس"، وماذا عن قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة التي تم اختطاف أعضاءها من قبل الثوار في مرتفعات الجولان، أخيرا؟

ومع ذلك، فإن الأمر الأكثر إثارة للقلق، هو أن حرب سوريا تثير نزاعات تعود إلى قرون ما بين السنة والشيعة، الأمر الذي يزيد من الخطر الحقيقي المتمثل باشتعال حريق طائفي عبر الشرق الأوسط وما وراءه.

والعنف الطائفي الذي يرجح أن يكون مرتكبوه من الجانبين بحسب الأمم المتحدة، لا يزداد داخل سوريا نفسها فحسب، وإنما أيضا يتدفق عبر الحدود. وأخيرا، تم ذبح أكثر من 40 من الجنود الحكوميين السوريين المحتمين على الجانب العراقي من الحدود من قبل ميليشيا سنية محلية، زعمت بأن هذه الخطوة بمثابة ضربة مظفرة ضد الأسد.

الاندفاع البريطاني

وبمواجهة الكارثة الإنسانية والانهيار الإقليمي الوشيك، فإن الدعوات للتحرك الدولي تزداد قوة. ورئيس وزراء بريطانيا ديفيد كاميرون مثلا، أصبح مقتنعا بشكل متزايد، بل وقد عبر بصراحة أخيرا عن أنه يخطط للضغط من أجل تخفيف الحصار الأوروبي على توفير الأسلحة إلى الثوار السوريين، ويلمح إلى أن بريطانيا قد تذهب في هذا المسار وحدها ،إذا كان الحلفاء الأوروبيون من الحمائم يرفضون التحرك.

ومن السهل أن نفهم إحباط رئيس الوزراء البريطاني، كذلك من المغري الاعتقاد أن دفعة عسكرية سريعة سوف تجلب الحرب إلى نهايتها السريعة. لكن إذا كان كل من العراق وأفغانستان وحتى ليبيا قد أعطتنا درسا ما، فهو أن التدخل الأجنبي ليس سهلا على الإطلاق، وسوريا ستكون بالتأكيد الأقل قابلية للتنبؤ بما سيحدث فيها من جميعها.

لن يكون فقط مستحيلا ضمان أن أسلحتنا لن تقع في أيدي المتشددين، بل سيكون أمرا غير مؤكد أيضا أن النظام الذي سيلي الأسد سيكون نظاما نرغب في أن نرعاه، حتى ولو بشكل غير مباشر. والأمر الأكثر خطورة أن المجتمع الدولي يخاطر بأن ينجر إلى خلاف إقليمي ديني بوحشية استثنائية. وفي الواقع، فإن تدخلنا قد يعجل بمثل هذه الأزمة، من خلال دعم طروحات أولئك الذين يزعمون بأن الغرب عازم على تدمير الإسلام.

المسار المعقول

بناء على ذلك، فإن المسار المنطقي في سوريا يكمن في مواصلة تقديم المساعدة غير الفتاكة إلى الثوار. وفي هذه الأثناء، يجب أن تستمر الجهود للتوصل إلى حل دبلوماسي، وسوريا كانت بشكل صائب على رأس جدول أعمال اللقاء الذي جمع وزير الخارجية الأميركي بنظيره الروسي في لندن أخيرا. لكن مع عدم إظهار موسكو أية إشارة للانحناء أمام الضغط الدولي، فإن آفاق النجاح محدودة.

بالتالي يجب أن يتركز جهدنا على المأزق الذي يعيشه الشعب السوري. والجهود الرامية لتخفيف أزمة اللاجئين يجب مضاعفتها، ودول تركيا والأردن ساعدت في معالجة التأثيرات اللوجستية والأمنية لعشرات الألوف من الذين يتدفقون عبر الحدود. ومثل تلك الخطة قد لا تبدو مهمة، أخذا في الاعتبار المعاناة الإنسانية الرهيبة التي يتسبب فيها الأسد، لكنها، على الأقل لا تسبب الأذى والضرر.

 

أزمات كبيرة

على الرغم من تعذر الحصول على إحصاءات دقيقة في مناطق الحروب، إلا أن تقريرين لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" و"منظمة غوث الأولاد" يظهران السير نحو أزمات في التعليم والصحة والعنف ضد الأطفال السوريين. واستنادا إلى المرصد السوري لحقوق الإنسان، فإن 3700 طفل قتلوا في الصراع وحوالي 500 ألف أصبحوا من اللاجئين.

وقبل بدء القتال، كان حوالي 90% من الأطفال السوريين ملتحقين بالمدارس الابتدائية، وهذه النسبة هي من أعلى المعدلات في الشرق الأوسط. لكن في السنتين الماضيتين أجبر حوالي 200 ألف منهم على هجر مقاعد الدراسة.

ولقد دمر ألفا مبنى مدرسي بالقتال تقريبا، ومدرسة من أصل 5 مدارس هي خارج العمل الآن. كما دمر أكثر من نصف مستشفيات سوريا في القتال، وثلثها لا يعمل إطلاقا. وتم تحصين ثلث الأطفال في شمال سوريا فحسب من الأمراض.