"صراع الإنسان ضد السلطة هو صراع الذاكرة ضد النسيان". هذه تعد من الأسطر الأكثر شهرة للكاتب البولندي ميلان كونديرا في روايته "كتاب الضحك والنسيان". وهي أسطر تستحق أن تبقى في الذهن ،فيما تطل الذكري السنوية العاشرة لإحدى أكبر الكوارث في تاريخ الولايات المتحدة، وهي اليوم الذي قام فيه الرئيس الأميركي السابق جورج بوش ونائبه ديك تشيني وفريق من الآخرين، إلى جانب عدد كبير في الموجودين في واشنطن ووسائل الإعلام الأشد ضلوعاً والمندرجة في التيار العام، بجر الشعب الأميركي إلى الحرب ضد العراق.

فقدان المحاسبة

والنتائج المدمرة لتلك الحرب سوف تستمر لعقود من الزمن، لكن حتى الآن لم يتم بعد إجراء لمحاسبة كاملة عنها. وهذا بحد ذاته ينطوي على تبعات. والسماح بأن يسير هذا المزيج السام من الأكاذيب والخداع والمسوغات الذي أدى إلى تلك الحرب دون منازع إنما يزيد من احتمال ارتكابنا أخطاء مأساوية مماثلة في المستقبل. بالتالي آمل أن نتمكن من استخدام هذه اللحظة لتقويم ما حصل بالفعل، وللنظر إلى الوراء من أجل أن ننظر إلى الأمام.

وبالطبع، فإن التجسيد الأكثر وضوحا لفشلنا في إجراء محاسبة جماعية لهذا الإخفاق التام هو أن أولئك الذين يتحملون المسؤولية الأكبر عن هذا الإخفاق لا زالت لهم أصوات عالية في سياستنا الخارجية.

بعد العراق، كانت هناك حالة غريبة من العفو وفقدان الذاكرة بشأن سوء تقدير الناس للقرارات الأكثر أهمية في أوقاتنا. تشيني ورامسفيلد وولفوفيتز وبريمر ورايس وماكين وأبرامز وغيرهم، بمن في ذلك المصفقون المستأجرون من الصحافة المؤيدون للحرب لا زالوا يقدمون أحكامهم بكل رباطة جأش.

وبالتأكيد، لعبت وسائل الإعلام دورا كبيرا في السماح بوقوع هذه الكارثة، بل وفي ترسيخها. وما كان يفترض أن يكون كابحا للمسار الذي أشعلته الأكاذيب كان بدلا من ذلك مسرعا له.

ولا زلنا نعايش إلى الآن نتائج هذه الحرب المدمرة. ففي الأزمة المفتعلة والتي لا تبدو لها نهاية بشأن "الهاوية المالية" والتخفيضات في الإنفاق، من المدهش كم كرس من ساعات بث ومساحة طباعة للعجز، في الوقت الذي جرى بالكاد ذكر كلمة "العراق" وهو ما يشير بالتأكيد إلى انتصار النسيان.

التكاليف الباهظة

تقول المحاضرة في مدرسة كيندي للحكم بهارفرد، ليندا بايلمز، إلى جانب الاقتصادي الفائز بجائزة نوبل جوزف ستيغلتز في كتابهما تحت عنوان: "حرب الثلاثة تريليونات دولار: التكاليف الحقيقية للصراع العراقي"إنه:"نظرا لعدم تشابه الحرب العراقية مع اي حرب سابقة في التاريخ الأميركي، فإن فواتيرها سددت كليا من خلال الديون، في الوقت نفسه الذي كنا نخفض فيه الضرائب".

واستنادا إلى مركز الميزانية وأولويات السياسات، فإنه بحلول 2019، سوف تشكل الحرب العراقية وتخفيضات بوش الضريبية تقريبا نصف الدين المتوقع والبالغ 17 تريليون دولار. وما تجري مناقشته بدرجة أقل من التكاليف الجارية للحرب هي تكلفة الفرص البديلة، الأشياء الكثيرة التي يمكن أن ننفق المال عليها في المقابل. وفي عام 2010، كتب كل من بايلمز وستيغلتز إنه لم تكن تقديرات تكاليف الحرب لدينا بقيمة 3 تريليونات دولار متدنية جدا فقط، بل بالقدر نفسه كانت تقديراتهم لتكلفة الفرص البديلة.

وهما يقولان: "الحرب العراقية لم تساهم في حدة الأزمة المالية فحسب، بل أبقتنا دون الرد عليها بشكل مؤثر. والمديونية المتزايدة كانت تعني أن الحكومة لديها مساحة اقل للمناورة مما كان يمكن أن يكون لديها، والنتيجة كانت تعني أن الركود سيدوم لفترة أطول، بإنتاج أقل وبطالة أعلى وعجوزات أكثر اتساعا مما ستكون عليه في ظل غياب الحرب".

والى جانب الدين الجاري، هناك قضية تكلفة العناية بملايين المحاربين العائدين من الحرب العراقية، قال الخبير السياسي لورين ثومبسون في عام 2011: "سيكون لدينا عبء كبير في التكاليف المحلية للاهتمام بالجرحى وتغطية نفقات التقاعد لمقاتلي الحرب، وأميركا ستستمر في تحمل تكاليف كبيرة لعقود قادمة".

هل يدافع بحزم أولئك الذين جادلوا بقوة لإقحامنا في الحرب باسم أولئك الذين حاربوا أو ماتوا أو جرحوا في تلك الحرب؟ اعتقد أننا ندرك الجواب على هذا.

وماذا عن العراق اليوم؟

كي لا ننسى

في ديسمبر 2011، فيما كانت تجري إعادة آخر الجنود المقاتلين إلى بيوتهم من العراق، وقف الرئيس الأميركي باراك أوباما في "فورت براغ" وأعلن: "الحرب في العراق سوف تنتمي قريبا إلى التاريخ". قد يكون هذا الكلام صحيحا، لكن من المهم أن لا تنحى جانبا إلى الماضي محاسبتنا على الفشل الذي أدى إلى هذه المأساة. هل نظر الرئيس بوش، فيما كان يرسم صوره في تكساس، إلى الوراء وقيم القرار الأسوأ في رئاسته؟ القضية تبدو مشكوكا فيها، لكن هذا لا يعني أن باقي الأميركيين لا يجب أن يقوموا بذلك.

في يوم من الأيام، وعن حق، لا بد أن يكون هناك نصب تذكاري لأولئك الذين حاربوا بشجاعة وقتلوا في العراق. لكن بالنسبة إلى الذكرى السنوية، دعونا نبني أيضا نصبا تذكارية على الإنترنت مكرسة لأولئك الذين خططوا وحرضوا وأشعلوا الحرب، حتى نتمكن من الانضمام إلى صراع الذاكرة ضد النسيان.

 

غياب المحاسبة

النتائج المدمرة للحرب العراقية سوف تستمر لعقود من الزمن، لكن حتى الآن لم يتم بعد إجراء لمحاسبة كاملة عنها. وهذا بحد ذاته ينطوي على تبعات. والسماح بأن يسير هذا المزيج السام من الأكاذيب والخداع والمسوغات الذي أدى إلى تلك الحرب دون منازع إنما يزيد من احتمال ارتكابنا أخطاء مأساوية مماثلة في المستقبل. والأمل أن نتمكن من استخدام هذه اللحظة لتقويم ما حصل بالفعل، وللنظر إلى الوراء بهدف التطلع إلى الأمام.