يشكل التحقيق الذي أجرته صحيفة "غارديان" وهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" في تورط البنتاغون المباشر في التعذيب المنهجي لمسلحين من السنة في العراق تذكيرا دمويا بالكارثة التي ألحقها الغزو بشعب العراق عام 2003، كما أنه سبب رئيسي وراء عقد من العنف الطائفي الذي خلفته الحرب.
وبعد عقد من سفك الدماء الأشد عنفا على الجانبين، فإن الأقلية السنية تشد من أزر قوتها الجماعية بأسلوب منظم تحت قيادة شخصيات مثل رجل الدين السني عبد المالك السعدي. والسبب المباشر وراء تعزيز الثقة بين سنة العراق ليس من الصعب اكتشافه.
فالانتفاضة التي بدأت، في الأساس، كحركة مقاومة علمانية في سوريا المجاورة، جذبت إليها جماعات من السنة من مختلف أرجاء المعمورة، دعما للجهود من أجل إسقاط الرئيس السوري بشار الأسد. وسيوفر لهذه الجماعات الآن الدعم العسكري من قبل الغرب، بما في ذلك بريطانيا، في ترداد لصدى الاستراتيجية التي استندت إليها الدول الغربية في توفير القوة النارية لدعم قوة الانتفاضة في ليبيا.
وهذا سيعزز من قوة الأقلية السنية والتي كانت تسيّر تظاهرات شعبية على نطاق واسع أخيرا. واجتذبت محاولتها ركوب التحدي العابر للطائفية ضد حكومة بغداد دعم رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر. وفي هذه الأثناء، تحاول بقايا تنظيم القاعدة في العراق استخدام الاحتجاجات كتغطية لحملة تحريض قوية لحث السنة على امتشاق السلاح ضد النظام.
والإدارة التعددية أساسا في بغداد ملتزمة بإعادة دمج الأقلية السنية في مواقع المسؤولية في العراق. ولقد أقامت وزارة مكرسة للمصالحة، وعينت وزيراً لحقوق الإنسان يسعى بنشاط وراء أجندة للتغيير الإيجابي.
السياسة المتطرفة
لكن على من يقع اللوم في انتشار العنف الطائفي حقاً؟ الحكومة على يقين من أن الأسباب وراء العنف الطائفي المتجذر في البلاد تكمن في السياسات المتطرفة لاجتثاث البعث التي سعت وراءها الإدارة الأميركية تحت سلطة الحاكم المدني الأميركي الفاقد المصداقية الآن بول بريمر.
وخلال حقبة الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، كانت العضوية في حزب البعث فعليا شرطا مسبقا للتوظيف الحكومي في مواقع المسؤولية بمختلف مراتبها. وسياسة طرد كل الأعضاء السنة المنتمين إلى حزب البعث من الإدارة العامة هي سياسة تتسم بسوء التقدير تماما كما إبعاد أعضاء من الحزب الشيوعي من المواقع العامة في الاتحاد السوفييتي السابق. فأشخاص ليس لديهم أي رابط على الإطلاق بجرائم النظام السابق طردوا من وظائفهم بطريقة مخزية، وفي معظم الأحيان من منازلهم.
وبين عشية وضحاها، تحولت طبقة حاكمة سنية تتمتع بامتيازات إلى أقلية مهمشة عاطلة عن العمل، مع شعور عميق بالظلم ضد السلطات الشيعية التي تدعمها أميركا. وكثيرون منهم كانوا رجالا حظوا بتدريب عسكري أو شبه عسكري، وبإمكانية الحصول على أسلحة، ولا شيء يفعلونه إلا الكراهية.
وفي برميل البارود السياسي هذا رمت البنتاغون ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية وأتباعهما بين أوساط الميلشيات الشيعية بعود ثقاب مشتعل من التعذيب المنهجي، حيث تم تجميع عناصر من السنة مشتبه بهم وإخضاعهم لأشكال من التعذيب الأكثر وحشية تحت أعين العملاء الأميركيين.
والأدلة الدامغة المتوفرة الآن تقدم صورة عن الفوضى والنفاق الأميركي، وهذا على تناقض مع بناء التعاون الدولي مع الشعوب الإسلامية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
وكانت الحاجة الملحة والضرورية إلى تطوير إجماع دولي لصالح الأخلاق في محاربة الإرهاب قد شدد عليها وزير خارجية بريطانيا وليام هيغ في خطاب له أمام المعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن أخيرا، حيث قال إنه حينما يكون هناك ادعاءات من هذا النوع، فانه يجب التحقيق الكامل فيها وجلب مرتكبيها للعدالة. والأمل في أن يؤثر هذا على وزارة العدل الأميركية ويشعرها بالحاجة لإجراء تحقيق في الادعاءات ضد ديفيد بترايوس، وغيره.
معالجة الماضي
والفشل في معالجة ذيول الماضي حتما يولد التصور الخاطئ بأن مرتكبي الجرائم يبقون منتفعين من التسامح أو التواطؤ الرسمي. وبغض النظر عن عدم دقة تلك التصورات، إلا أنها سوف تستمر حتى إجراء تحرك حاسم. ومحاسبة المسؤولين يشكل الطريق الوحيد في إنهاء هذا الأمر الآن وإلى الأبد. والعراق في حاجة ماسة لمبادرات المصالحة، قد تكون هناك حاجة للجنة حقيقة ومصالحة فعلية. لكن قبل المصالحة، يجب أن تكون هناك تصفية حساب مع الماضي. وإحالة مرتكبي هذه الجرائم للعدالة هو شرط مسبق أساسي للسلام والاستقرار في المنطقة.
النفاق الرهيب
تم تجميع عناصر من السنة مشتبه بهم وإخضاعهم لأشكال من التعذيب الأكثر وحشية تحت أعين العملاء الأميركيين. وتحقيق "غارديان" وهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" يعرف بهذه المؤامرة الإجرامية، ويأخذها مباشرة إلى قلب إدارة بوش، ولقد تسبب ذلك في سلسلة من ردود الأفعال ما زال يتردد صداها في العراق.
وأميركا تعرضت لانتقادات شديدة عام 2006، خلال المراجعة الدورية الأخيرة لها من قبل لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، وذلك لتبينها سياسة الحصانة تجاه المسؤولين الذي ارتكبوا تلك الجرائم الرهيبة والمنهجية. واللجنة على وشك إجراء مراجعتها الدورية التالية في خريف هذا العام. وأخذا بالأدلة الدامغة المتوفرة الآن فيما يتعلق بجرائم التعذيب والترحيل القسري المرتكبة عالميا، فان هذه التحقيقات الأخيرة تقدم صورة عن الفوضى والنفاق التي هي على تناقض مع بناء التعاون الدولي مع الشعوب الإسلامية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
