تمد روسيا ودول إقليمية أخرى الرئيس السوري بشار الأسد بالأسلحة والذخائر، فيما تسلم دول إقليمية أخرى الأسلحة إلى خصومه عبر تركيا. ولقد أعلن وزير الخارجية الأميركي جون كيري أخيرا بان أميركا سوف تزيد مساعداتها غير الفتاكة إلى الثوار بمقدار 60 مليون دولار أميركي، فيما بريطانيا تطلب من الاتحاد الأوروبي رفع الحظر على بيع الأسلحة إلى المعارضة.

تصعيد الأزمة

وكل هذا لا يبدو مصمما من أجل إنهاء الصراع الذي بدا، لوهلة من الزمن، انه يتجه نحو التفاوض بشكل متردد. وكان رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية أحمد معاذ الخطيب، قد عرض مناقشة تسوية من دون المطالبة باستقالة الأسد. والأسد لم يحمل في يده عرضا للسلام، لكنه قدم اقتراحا في مقابلة مع هلا جابر في صحيفة "صنداي تايمز" قال فيه: "نحن على استعداد للتفاوض مع أي كان، بما في ذلك المسلحين الذين يسلمون أسلحتهم".

أما المسلحون، فلم يعد من المرجح بعد الآن قيامهم بتسليم أسلحتهم، وهي وسيلتهم الوحيدة للدفاع عن النفس، أكثر مما يرجح مغادرة الأسد منصبه.

لكن الفجوة بين الطرفين كانت تضيق بما فيه الكفاية لكي تردمها الدبلوماسية البارعة؟ فهل اجتمعت القوى التي تدخلت في سوريا منذ بداية الانتفاضة في مارس 2011 وطالبت بجلوس عملائها المعنيين على طاولة المفاوضات، وحلحلة الأمور بالكلمات بدلا من الرصاص؟ حسنا الإجابة على ذلك هي لا.

وعندما قال الأسد إن "بريطانيا لعبت دورا غير بناء على نحو معروف في منطقتنا على قضايا مختلفة على مدى عقود" لم يبعد كثيرا عن الهدف. فدولة فرضت، بالتعاون مع فرنسا، الحدود التي رسمتها عبر سوريا وعدلتها، فيما كانت تحت الحكم العثماني، بناء على معاهدة سايكس بيكو، تحمل ثقلا تاريخيا. وبلاد لم تفعل شيئا منذ يونيو 1967 لمعارضة الاحتلال الإسرائيلي لمرتفعات الجولان السورية وضمها إليها، أمامها طريق طويل للبرهان على حسن نيتها أمام جمهور السوريين المشككين. وبلاد تنبأت منذ بداية الانتفاضة بل سعت إلى السقوط الداهم لنظام دمشق قد تجد صعوبة في لعب دور الوسيط النزيه.

الوسيط الضعيف

وفي المقابل، فإن وسيط الأمم المتحدة الأخضر الإبراهيمي الذي يحاول أن يلعب دور الوسيط النزيه، لا سلطة لديه. وجميع الأطراف في الحرب السورية تعي عجزه، وتتجاهل مهمته، مع إدراك هذه الأطراف أن القوى التي تدعمها لا تدعمه فعلا. أما أولئك الذين لديهم السلطة على مصير سوريا، وهم طباخون كثر لهذا الوضع السوري الدموي، فإنهم منحازون جدا إلى حد أنهم يزدرون بالمساومات لصالح تحقيق انتصار فوري، ولو مضلل، من قبل فصائلهم السورية المعنية.

أما ضحايا تصعيد شحنات الأسلحة إلى جميع الأطراف، فهم سكان سوريا البالغ عددهم 24 مليون نسمة، وليس المقاتلين من الجانبين. وهؤلاء يواجهون حربا مطولة خسائرها ستقزم أعداد الأرواح التي فقدت إلى الآن والمقدرة بـنحو 80 الف شخص، وستؤدي إلى المزيد من المنازل المدمرة، والمزيد من اللاجئين، وإلى تدمير حياة السوريين الاقتصادية المزدهرة فيما مضى، وإلى تمزيق النسيج الاجتماعي الذي أبقى سوريا موحدة لقرون من الزمن.

ويبدو أن أميركا وروسيا وغيرهما من الدول يرددون ما سبق أن قالته وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت في ما مضى حول وفاة نصف مليون طفل عراقي بسبب العقوبات الدولية: "نعتقد أن الثمن يستحق ذلك". وهذا القول يصح دوما عندما يدفع شخص آخر الثمن. هل يجب تدمير سوريا، في سبيل إنقاذها، للتذكير بملاحظة مايجور أميركي حول عاصمة المقاطعة الفيتنامية بن تري عام 1968؟ هل هذا ما يريده الشعب السوري؟

قال الأسد في المقابلة: "انتم تدركون بان الجريمة لا تتعلق فقط بالضحية والمجرم، بل أيضا بالشريك في الجريمة الذي يوفر الدعم بغض النظر عما إذا كان هذا الدعم معنويا أو أيديولوجيا".

ولقد صرح وزير الخارجية البريطاني ويليام هايغ على الأثر: "هذه ستدرج بين المقابلات الأكثر إيهاما التي سبق أن أجراها زعيم قومي في الأزمنة المعاصرة". فهل هي مليئة بالأوهام، أم أنه ينبغي تعميم ملاحظة الأسد لتطبيقها على الذين يقدمون الدعم له، والذين يوافقون ضمنيا على تصرفات جيشه في الحرب، بالقدر نفسه على تصرفات أولئك في المعارضة المسلحة؟

الضحية ذاتها

وأيادي الثوار كما في أي حرب ليست نظيفة بالكامل، وضحايا المساعدات الفتاكة وغير الفتاكة إلى الحكومة والثوار هم الشعب السوري في الحالتين.

وبدلا من رفع حظر بيع الأسلحة الأميركي الأوروبي على المساعدات الفتاكة، كما تقترح بريطانيا، لماذا لا نطلب من الروس الانضمام إلى هذا الحظر؟

وهناك سابقة تشهد على ذلك، وهو الحظر الدولي على بيع الأسلحة إلى إسرائيل والعرب خلال الحرب عام 1948، عندما كانت العلاقات بين الشرق والغرب في أوضاع ليست أسوأ مما هي عليه اليوم. وبقدر ما كانت حرب 1948 دموية، فإن الوضع كان يمكن أن يكون أسوأ بكثير لو قام الروس والأميركيون والفرنسيون والبريطانيون بجمع ترساناتهم الهائلة من الأسلحة وتقديمها إلى الإسرائيليين والعرب على السواء.

وتصادف هذا الشهر الذكرى السنوية الثانية للحرب الأهلية السورية. وإذا كان السياسيون في الشرق والغرب سيستمرون كما هم اليوم، فإن هذه الذكرى لن تكون الأخيرة.