الإغاثة عبر الحدود ليست كافية لتأمين احتياجات المحاصرين

الجبهات الأمامية شريان المساعدات الرئيس للسوريين

أثير الكثير من الجدل، أخيراً، حول الفشل المفترض لمنظمات الإغاثة الدولية في الوصول إلى المحتاجين في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في سوريا. والشيء السليم والمبرر، إجراء مراجعة نقدية لواقع الاستجابة للاحتياجات الإنسانية في أي صراع مسلح، لمعرفة ما إذا جرت الاستجابة بطريقة مبدئية أم لا.

لكن الانتقاد الذي وجهته بعض منظمات الإغاثة وجماعات التوعية، مضى إلى أبعد من ذلك، مدافعاً عن وجهة النظر التي تقول إن جهود الإغاثة الإنسانية كانت غير متوازنة على نحو خطير، فيما أشارت بعض الحكومات إلى أن السبيل الوحيد للوصول إلى ملايين الأشخاص في المناطق التي تسطير عليها المعارضة، يتمثل في نقل المساعدات عبر الحدود، حتى من دون موافقة السلطات السورية.

المفاهيم الخاطئة

وهناك جملة من المفاهيم الخاطئة، يفترض تسليط الضوء عليها هنا. أولها، فكرة أن المساعدات لا تصل إلى المناطق التي تسيطر عليها المعارضة. والبعض احتسب نسبة المساعدات التي يعتقد أنها تصل إلى تلك المناطق بين 1-15 % من إجمالي ما يجري تسليمه، وكما يحصل دوماً مع الأرقام في الحروب، فإن الذين يحسبون تلك الأرقام لا يملكون وسيلة لدعم أقوالهم، لكنها تبقى في أذهان الناس وفي السجالات العامة.

ثانياً، فيما معظم المراقبين يرغبون في رؤية خطوط فاصلة نظيفة بين المناطق التي تسيطر عليها الحكومة، وتلك التي تسيطر عليها المعارضة، فإن الوضع القائم في سوريا يبدو أكثر ميوعة وتعقيداً، فالقتال يمضي من شارع إلى آخر، ويتبادل الطرفان احتلال المناطق. وهناك أيضاً خطوط الجبهات الأمامية التي تقسم المدن، أو تسير ملتوية حولها لعزل السكان المحاصرين.

ونحن نوافق تماماً أن هناك حاجة إلى المزيد من المساعدات في سبيل التعامل مع المعاناة الهائلة عموماً، وبالتأكيد في سبيل التعامل مع معاناة المدنيين في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة. ونحن في اللجنة الدولية للصليب الأحمر نضغط من أجل تحقيق ذلك كل يوم، مع بعض النجاحات والانتكاسات. وهناك عوائق كثيرة. فالضوابط المبالغ بها على وكالات الإغاثة العاملة في البلاد، وتشرذم المعارضة المسلحة، واحتدام المواجهات العسكرية، كلها أمور جعلت بيئة العمل متقلبة جداً وغير آمنة.

موقع العمليات

لكننا لا نعتقد بأن عمليات الإغاثة عبر الحدود تشكل الرد الوحيد على احتياجات السكان. فهناك عدد كبير من الناس يعانون، لكنهم لا يعيشون في المناطق الحدودية، بل موقعهم في العمق السوري، وسط بيئة حضرية يصعب الوصول إليها من المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، والتي يجري إمدادها بالمساعدات عبر الحدود. وهذا يفسر لماذا اخترنا بناء موقع عمليات من داخل سوريا. وعمليات الإغاثة التي تمر عبر خطوط الجبهات الأمامية، بدلاً من عبر الحدود، هي شريان الحياة الرئيس للسكان، الذين هم في أشد الحاجة إلى المساعدات.

وإلى جانب متطوعين من الهلال الأحمر العربي السوري، تمكنا من تسليم مواد غذائية ومستلزمات منزلية أساسية مطلوبة بشدة إلى عدد من المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، بما في ذلك منطقة الحولة في محافظة حمص أخيراً، وذلك من خلال التفاوض على عبور خطوط الجبهات الأمامية. ومتطوعو الهلال الأحمر العربي السوري تمكنوا أيضاً من الوصول إلى محتاجين في منبج وإعزاز وعتمة.

وتصل المساعدات إلى المزيد من الناس على جانبي الصراع، وهذه المساعدات هي أكثر بكثير من إمكانية تحديد معالمها في الحال، فقد تم تركيب مولد كهرباء احتياطي في محطة ضخ مدينة حمص، ما ضمن إمدادات موثوقة للمياه لأكثر من 800 ألف نسمة، بما في ذلك إلى المناطق التي تسيطر عليها المعارضة. وفي حلب، وعلى الرغم من أن فرق العمل لدينا لا يمكن أن توجد هناك بسبب القتال المستمر، إلا أننا نعمل من خلال متعهدين من القطاع الخاص لإعادة تأهيل مضخات المياه وتركيب المولدات، بالإضافة إلى تحسين المرافق الصحية والمطابخ في المراكز التي تؤوي المهجرين.

لكن، هذا الوضع لا يقنع أولئك الذين يصرون على رؤية «مواطنين طيبين» أو «مواطنين سيئين»، بحسب الأماكن التي يقطنون فيها.

وحقيقة الصراع السوري تشير إلى أن العمل السياسي وحده سيساعد في إيجاد حل، وإنقاذ أرواح المئات، بل الألوف الذين يعيشون في خطر. وتسييس المساعدات ليس الرد في هذه الحالة، ولن يحدث فرقاً في حياة ملايين الرجال والنساء والأطفال الذين مزقت حياتهم إرباً أمام أنظار العالم.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات