الإصلاح السياسي والاقتصادي والأمني بخطى السلحفاة

ليبيا تصارع من أجل البقاء

في أعقاب نوبة قصيرة من مشاعر النشوة احتفاء بالذكرى السنوية الثانية للثورة ضد الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي في 17 فبراير الماضي، سرعان ما توصل الليبيون مجدداً إلى الإدراك الأقل إثارة للبهجة، والمتمثل في أن الإصلاح السياسي والاقتصادي والأمني في البلاد يسير بخطى السلحفاة في أفضل أحواله.

وقبل أيام من مناسبة هذه الذكرى، قرر المؤتمر الوطني العام، وهو عبارة عن نموذج برلمان أولي تم انتخابه في يوليو الماضي للإشراف على صياغة دستور جديد، بدلاً من قيامه بذلك، الدعوة إلى انتخابات جديدة لاختيار لجنة تضم 60 عضواً جديداً. وهذه اللجنة مطالبة بعد ذلك بتولي هذه المهمة، مما يعني إضافة سنة على الجدول الزمني الأصلي، الذي كان يتوخى إجراء انتخابات لبرلمان كامل في الأشهر المقبلة حسب ما هو منصوص عليه في الدستور الجديد.

القوانين القديمة

ويُشكّل الاعتقال الأخير لأربعة مبشرين مسيحيين في بنغازي أكبر المدن الشرقية لليبيا بتهمة التبشير، وهي تهمة ما زالت تعد جريمة حسب القانون الموروث من حقبة القذافي، تذكيراً بمدى حاجة ليبيا لدستور يوضح ما يجيزه النظام الجديد.

وقوانين أخرى من الماضي تعمل على المزيد من إعاقة الاستثمارات. ولقد فشل المؤتمر في إبطال قانون جرى سنه من قبل الإدارة السابقة، أي "المؤتمر الوطني الانتقالي"، يحد الملكية الأجنبية في الشركات الليبية بنسبة 49%، وهو القانون المعروف على سبيل المزاح باسم "قانون القلة الحاكمة"، حيث انه لصالح الليبيين الأغنياء الذي احسنوا صنعاً تحت حكم القذافي. وهذا القانون أدى إلى تأجيل استثمارات عدد كبير من رجال الأعمال الأجانب في تلك الشركات التي لا يسمح لهم بالسيطرة عليها.

وفي هذه الأثناء، يستمر انتشار العنف لاسيما في أطراف البلاد. وميليشيات متشددة ظهرت من جديد في الشرق، وهي تقيم نقاط تفتيش في بنغازي ودرنة، في أقاصي الشرق على طول الساحل، وهي المنطقة التي طالما كانت معروفة باستقبالها للإسلاميين المتشددين.

بعد خمسة أشهر من هجوم أمثال أولئك الإسلاميين المتطرفين على القنصلية الأميركية في بنغازي وقتلهم السفير هناك، لم يوجه اتهام إلى أحد بتلك الجريمة حتى الآن. وفي الغرب والجنوب، يتقاتل المهربون واللصوص من أجل السيطرة على تدفق البترول والأسلحة والمخدرات والبشر عبر الحدود. وفي أماكن أخرى، ترفض الميليشيات عملية دمجها في القوة الأمنية المركزية. والوحدات العسكرية الأقوى التي قادت الثورة ضد القذافي في مدينتي مصراتة وزنتان تتجاوب فقط مع سلطات المدينة المحلية.

وتلك الميليشيات بدورها تساعد في تشكيل ما يدعى "الدرع الليبية"، وهي عبارة عن قوة وطنية موازية، تعمل بناء على طلب وزير الدفاع وليس بناء على أوامره، وعدد كبير من تلك الميليشيات يتمتع بالانضباط، وهذا يؤكد الانطباع المتزايد عن بلاد من مدن مستقلة.

معوقات الإصلاح

وتبرز الخدمة المدنية كمعيق أمام الإصلاح. ولقد تجمعت تظاهرات أخيراً تطالب بمشروع قانون يطيح بمسؤولين من حقبة القذافي من مواقع السلطة. يقول محامٍ من مصراتة يدعى إدريس نور الدين: "من الضروري إزالتهم إذا اردنا أن نسير قدماً إلى الإمام، قد لا يكونون أشخاصاً سيئين، لكنهم مثل أي شخص أمضى 40 عاماً من حياته وهو يدخن. تقول لهم إننا أمام نظام جديد، وطريقة جديدة حيث لا أحد يدخن، لكنهم اعتادوا على التدخين".

لكن إذا جرى طرد كل موظفي الخدمة المدنية الذي يتولون وظائف عالية تحت النظام السابق، فإن الاقتصاد قد يسارع الخطى نحو الركود.

وعجز الحكومة المركزية يمكن تبيانه بزيارة إلى المؤتمر الوطني في طرابلس، الذي خسر السيطرة على الغرفة التي يفترض أن يعقد فيها جلساته. ويحتل المبنى الآن مجموعة من قدامى المحاربين من جرحى الثورة، الذين يحتجون على فشل وزارة الدفاع في أن تدفع لهم معاشات تقاعد. وبدلاً من أن يطردهم المشرعون خارج المبنى، اختار هؤلاء عقد جلساتهم في خيمة مقامة على أراضي فندق محلي.

 

أسئلة كثيرة

 

برزت أدلة أخيراً تشير إلى أن السفير الأميركي كريستوفر ستيفنز الذي تُوفيّ في الهجوم في بنغازي، وطاقمه الأمني كانوا شديدي القلق حول ما اعتبروه عدم كفاية الإجراءات الأمنية لحمياتهم.

وأفادت شبكة فوكس نيوز أن برقية سرية مرسلة إلى واشنطن وصفت "اجتماعاً طارئاً" في القنصلية في 15 أغسطس أعرب خلاله مسؤولو الأمن الإقليمي في وزارة الخارجية عن: "قلقهم بشأن قدرتهم على حماية موقعهم في حال حصول هجوم منسق". وتضمن الاجتماع أيضا تقريراً موجزاً عن مخيمات تدريب لتنظيم القاعدة وميليشيات إسلامية في منطقة بنغازي. وفي برقية أخرى قبل ساعات من الهجوم، وصف ستيفنز "الإحباط المتزايد" من الميليشيات والشرطة المحلية، التي عهدت إليهما وزارة الخارجية مهمة الدفاع عن القنصلية. تقول صحيفة "وول ستريت جورنال" في افتتاحيتها إن "قضايا غير محلولة حول بنغازي ترفرف فوق عملية الانتخابات الرئاسية، لأن البيت الأبيض فشل في حلها".

طباعة Email
تعليقات

تعليقات