كانت بريطانيا من أشعل مأساة العراق الحديثة، بدءاً من استيلائها على بغداد في عام 1917 وتشكيلها الاعتباطي للبلاد لتلبية الحاجات الاستعمارية والمصالح الاقتصادية للندن. ويمكن القول: إن الفوضى المبكرة والهائلة التي خلقها الغزاة البريطانيون مازالت تعيث فسادا في البلاد، وهي تجسد نفسها بأشكال متنوعة من المد الطائفي والعنف السياسي والخلافات الحدودية بين العراق وجيرانه، حتى يومنا هذا.

لكن يعود معظم الفضل الآن إلى الولايات المتحدة في عكس كل ما حققه الشعب العراقي في سبيل الحصول على سيادته التي أصبحت بعيدة المنال أكثر من أي وقت مضى.

استراتيجية رهيبة

وحروب أميركا التي امتدت خلال الفترة من عام 1990 حتى عام 2011 تضمنت حصاراً مدمراً وانتهت بغزو وحشي للعراق. وهذه الحروب كانت عنيفة بقدر ما كانت عديمة الضمير. وبصرف النظر عن خسائرها البشرية الهائلة، فقد أدرجت في اطار استراتيجية سياسية رهيبة تهدف إلى استغلال خطوط التصدع الطائفية القائمة في البلاد، وغيرها من خطوط التصدع الأخرى، مشعلة بالتالي حروبا أهلية وكراهية طائفية من غير المرجح أن يشفى منها العراق لسنوات عدة.

بالنسبة للأميركيين، كانت الحرب مجرد استراتيجية تهدف إلى تخفيف الضغط على جنودهم وجنود الحلفاء، الذين كانوا يواجهون مقاومة صلبة منذ أن داست أقدامهم العراق. وبالنسبة للعراقيين، كانت كابوسا مرعبا لا يمكن التعبير عنه بالكلمات والأرقام.

لكن الأرقام متوفرة بكثرة طبعا. واستنادا إلى تقديرات الأمم المتحدة، فإن "أكثر من 100 مواطن في المتوسط قتلوا يوميا نتيجة لأعمال عنف في العراق" ما بين شهري مايو ويونيو 2006، وتقديرات الأمم المتحدة المحافظة وضعت أيضا أعداد الوفيات بين المدنيين خلال عام 2006 عند 34 الف قتيل. وفي تلك السنة تحديدا برهنت استراتيجية أميركا "فرق تسد" على نجاحها الأكبر.

وعلى امتداد سنوات عدة، اصبح الناس بمعظمهم، كما في كل الصراعات الأخرى حيث العنف المطول يثمر تعداداً منتظماً للوفيات، فاقدي الحساسية تجاه أعداد الوفيات.

كما لو أنه كلما ازداد عدد القتلى، انتقص من قيمة حياتهم. والواقع يبقى أن بريطانيا وأميركا دمرا بشكل مشترك العراق الحديث، وأي مقدار من الندم أو الاعتذار لن يغير هذه الحقيقة، وهذا لا يعني أن أياً منهما قدم اعتذاراً أو أظهر ندماً.

فالسادة المستعمرون السابقون للعراق والسادة الجدد، كانت تنقصهم كل الأسس القانونية والأخلاقية لغزو دولة دمرتها العقوبات. وكان ينقصهم أيضا أي شعور بالرحمة فيما كانوا يدمرون جيلاً عراقياً، ويهيئون المسرح لصراع مستقبلي يعد بأن يكون دمويا كما الذي سبقه.

مرحلة جديدة

عندما أفادت التقارير بأن اللواء الأميركي المقاتل الأخير غادر العراق في ديسمبر 2011، كان يفترض أن يعني هذا نهاية حقبة. والمؤرخون يدركون جيدا أن الصراعات لا تنتهي بمرسوم رئاسي أو بإعادة انتشار للقوات. فقد دخل العراق فقط في مرحلة جديدة من الصراع، وأميركا وبريطانيا وغيرهما مازالوا جزءاً لا يتجزأ في هذا الصراع.

وإحدى الحقائق التي تلت الغزو مفادها أن العراق منقسم إلى مناطق نفوذ قائمة بشكل كامل على خطوط طائفية وعرقية. وفي تصنيف وسائل الإعلام الغربية، برز السنة الخاسر الأكبر، وهم الملامون لكونهم كانوا محظيين في ظل الرئيس العراقي السابق صدام حسين.

والصراع الطائفي في العراق المسؤول عن قتل عشرات الألوف من الناس هو الآن بصدد العودة. في 8 فبراير الماضي، انفجرت خمس سيارات فيما عرف سريعا بـ"مناطق الشيعة" مما أسفر عن مقتل 34 شخصاً. وقبلها بأيام، في 4 فبراير، قتل 22 شخصاً بطريقة مماثلة.

والسنة العراقيون، بما في ذلك القبائل والأحزاب السياسية الرئيسية، يطالبون بالمساواة وبنهاية لحرمانهم في إطار النظام السياسي العراقي المنحاز والجديد نسبياً لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي. وقد تم تنظيم تظاهرات حاشدة وإضرابات مستمرة برسالة سياسية واضحة وموحدة.

وأحزاب أخرى كثيرة تستغل حالة الاستقطاب بأي وسيلة ممكنة، في سبيل تسوية حسابات قديمة، وإعادة البلاد إلى شفير الحرب الأهلية، ومفاقمة التدمير الجاري في دول عربية عديدة لاسيما في سوريا، وأحيانا في سبيل تعديل الحدود الطائفية بأشكال يمكن أن تخلق فرص أعمال جيدة.

مصالح تجارية

والانقسام الطائفي والأعمال التجارية في العراق يسيران جنبا إلى جنب اليوم. ولقد أفادت وكالة رويترز أن شركة اكسون موبيل وظفت السفير الأميركي السابق إلى العراق خلال الفترة 2010-2012، جيفري جيمز، "مستشاراً" لها. وبالتأكيد هذا مثال يجسد كيف أن الدبلوماسية في مرحلة ما بعد الحرب والأعمال التجارية حليفان طبيعيان، لكن القصة لا تنتهي هنا.

مستغلة الحكم الذاتي لمنطقة كردستان، فإن شركة النفط والغاز المتعددة الجنسيات تلك عقدت صفقات مربحة مستقلة عن الحكومة المركزية في بغداد. فحشدت الحكومة المركزية قواتها قرب المناطق الغنية بالنفط المتنازع عليها بدءا من نهاية السنة الماضية. وقامت الحكومة الكردية بالشيء نفسه. وبسب عدم القدرة على تحديد أي من الطرفين لديه اليد الطولى، فإن شركة اكسون موبيل ممزقة بين احترام تعاقداتها مع الأكراد، أو السعي ربما لعقود اكثر ربحية في الجنوب.

ويحدد مستقبل العراق قوى متنوعة، ولا يتألف أي منها تقريبا من وطنيين عراقيين برؤية موحدة. والشعب العراقي المحاصر بين الطائفية المريرة، والتطرف، والجموح للسلطة، والنخب الجامعة للثروات، واللاعبين الإقليميين، والمصالح الغربية، والإرث الحربي العنيف جدا للبلاد، يعاني الأمرين مما يفوق قدرة التحاليل السياسية والإحصاءات على تسجيل ذلك.

 

أجيال مدمرة

العراق الأمة الفخورة بالقدرات الإنسانية المثيرة للإعجاب والإمكانيات الاقتصادية الرائعة مزق إربا. وتقدر وزارة العمل والشؤون الاجتماعية العراقية، وجود 4.5 ملايين طفل يتيم في العراق، "70%" منهم خسروا أهاليهم منذ الغزو عام 2003.

ومن هذا المجموع، حوالي 600 الف طفل مشردون في الشوارع، من دون مأوى أو طعام في أجل البقاء. لكن كما في مجموعة القصص العراقية لسندباد الذي يحب المغامرة بقدر ما يحب بلاده، فإنه بغض النظر عن مدى قسوة قدره، فإن سندباد دوما يعود إلى العراق ليبدأ من جديد، وكأن شيئاً لم يكن.