استمرار النزاع الداخلي والاستقطاب يعرقل تقدمه

العراق مهدد بتقويض وحدته مجدداً بالعنف الطائفي

المتظاهرون العراقيون في المناطق السنية طالبوا باستقالة المالكي واتهموه بالتمييز الطائفي أرشيفية

ما يعرقل تقدم العراق اليوم هو استمرار النزاع الداخلي، فمنذ الأيام الأسوأ للحرب الشيعية السنية خلال عامي 2006-2008، لم يسبق أن شكل الاستقطاب الطائفي في العراق تهديدا لسلامة البلاد كما اليوم.

في ديسمبر الماضي، تظاهر أهل السنة في مدينة الرمادي الغربية ضد حكومة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، احتجاجا على ما يبدو على اعتقال الحراس الأمنيين التابعين لوزير المالية رفاعة العيساوي.

ومنذ ذلك الحين، تصاعدت التظاهرات والتوترات وانتقلت إلى مواقع أخرى. وبعد أن بدأت بمطالب من أجل الإصلاح وتحسين الخدمات وإطلاق سراح السجناء وإبطال قوانين اجتثاث البعث، فاض الكيل الآن، وبات المتظاهرون على امتداد المناطق السنية يطالبون بشكل علني باستقالة رئيس الوزراء المالكي، متهمين إياه بالتمييز الطائفي وقمع السنة.

حكاية التغيير

وكان قادة الشيعة من السياسيين الذي جاءوا إلى السلطة بعد عام 2003 في وضع فريد لتشكيل مستقبل العراق، لكنهم إلى جانب جماعات كردية جلبوا معهم مظالم قديمة، ليس فقط ضد نظام الرئيس العراقي صدام حسين، لكن بشكل أوسع نطاقا ضد هيمنة الأقلية السنية، التي وجدت بدرجات متفاوتة منذ تأسيس الدولة العراقية في عام 1921.

وبدلاً من التشجيع على قيام عراق موحد، فإن قادة الشيعة صاغوا حكاية التغيير بتعابير المنتصر والمهزوم، وصعود المضطَهدين ضد المضطهِدين، وحصول الأكثرية على سلطتها الشرعية. وكانوا ميالين لمعالجة المظالم التي تعرضت لها مجتمعاتهم.

وكان قادة الشيعة وسلطات الاحتلال الأميركي ينادون بالمشاركة الشاملة وبالاندماج، فيما كانوا على صعيد الممارسة العملية، يجمعون السنة كلهم مع البعث، الأمر الذي أدى إلى وضع قوانين اجتثاث وحشية بحق البعث وإلى حل الجيش العراقي، وهما الأداتان اللتان كانتا في يد السنة. وكان على السنة البرهان على ولائهم وإذعانهم للقوانين الجديدة وبراءتهم من البعث.

ولدى الشيعة سبب منطقي للخوف والتشكيك، فقبل عام 2003، عارض قلة من السنة فقط الرئيس العراقي السابق صدام حسين علانية. وبعد عام 2003، استولت المقاومة المسلحة بسرعة على مناطق السنة، بزعم تحرير العراق من الاحتلال الأميركي، لكن في الواقع من أجل الانتفاضة ضد النظام الجديد.

وعندما تمت صياغة الدستور في عام 2005، كان السنة بطيئين في الانضمام إلى المداولات، وعندما التحقوا بها، كان الوقت قد فات على إعادة تشكيلها بأي طريقة ملموسة لصالحهم. وبعض السنة رفض الفكرة التي تفيد بأنهم يشكلون الأقلية، بل زعم قلة من القادة بالسر أنهم يشكلون 60% من عدد السكان. والشكوك والمخاوف المتبادلة، والتفوق، والتهميش والرفض، كلها أمور تدهورت متحولة إلى دوامة من الحروب الطائفية البشعة بين المتمردين السنة والميليشيات الشيعية في عام 2006.

أهداف المصالحة

وجهود المصالحة التي بدأت في عام 2008 من قبل الجيش الأميركي حاولت دمج المقاتلين السنة في مؤسسات الدولة، وهذه أخذت على مضض من قبل رئيس الوزراء نوري المالكي، لكن، مع ذلك، اقتصرت أهداف تلك المصالحة على إنهاء الصراع الطائفي المشتعل وتهدئة التمرد المسلح. أما مباحثات المصالحة فقد اتسمت بالسطحية، ولم تحاول مطلقا إقامة حوار حقيقي حول العلاقات المجتمعية والمخاوف المتبادلة والمظالم والتطلعات.

وبمعزل عن الزخرفة الخطابية، لم تكن هناك محاولة لتجاوز السياسات الطائفية. كان السنة يرغبون في الحصول على ما لم يكن الشيعة على استعداد لإعطائه لهم، أي على مكانة متساوية في قيادة شؤون الدولة. ولم ير قادة الشيعة إلا فائدة محدودة في المصالحة السياسية، كما اعترف مشرع شيعي بارز قائلاً إن المصالحة تعني فقط التخلي عن بعض المكاسب التي كسبها قادة الشيعة بصعوبة. فلماذا يطلب منهم القيام بذلك؟

بالإضافة إلى ذلك، كانت هناك شكوك مستمرة من أن السنة لن يقبلوا أبداً، في أعماقهم، بصعود الشيعة وبحقهم كأكثرية في الإمساك بزمام السلطة. ولقد تم الترحيب بالسنة بمكابدة، وعلى أسس وضعتها الأغلبية الشيعية.

كما تم تشويه الديمقراطية من الأساس بتعريف خاطئ لما تشكله الأكثرية والأقلية. ولقد عرفت الديمقراطية بالانتماءات الطائفية وليس السياسية في العراق. بالتالي، الشيعة الذين يشكلون الأغلبية الديمغرافية سيبقون إلى الأبد الأكثرية السياسية، كما أظهر التحالف الشيعي الكبير في انتخابات عامي 2005 و2010، فيما سيبقى السنة دوماً أقلية سياسية.

ويبدو أن خطوطاً لجولة أخرى من العنف ترسم الآن، ملهمها الطائفية، وهذه الخطوط في ظل غياب وسيط حيادي، تهدد بتقويض وحدة العراق.

 

صعوبة الحل

تم تشويه الديمقراطية في العراق من الأساس بتعريف خاطئ لما تشكله الأغلبية والأقلية، حيث عرفت بالانتماءات الطائفية وليس السياسية. ومبدأ المواطنة المتساوية والحقوق المتساوية للجميع، بمعزل عن الدين والعرق والجنس، المذكورة بكثرة في الدستور، تم تقويضها بشكل رهيب في هذا التفسير للديمقراطية.

ولقد تفاقمت المواجهة الحالية بسبب الأحداث الإقليمية، لاسيما في سوريا. وعلى الرغم من أن الأحزاب السياسية الشيعية لا تكن حباً كبيراً لسوريا البعث، التي اتهمت في الماضي بدعم المتشددين والبعثيين المتخفين في العراق، إلا أنها مع ذلك تخشى انهيار النظام العلوي للرئيس السوري بشار الأسد. والسنة، في المقابل، حصلوا على دعم معنوي، وربما سياسي ولوجستي، من الجماعات الدينية السنية التي تقاتل حكومة الأسد. وتوترات إقليمية أخرى تعقد الأوضاع أكثر.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات