نزعة قومية متشددة في الصين تثير القلق

الحزب "الشيوعي" الصيني يسعى إلى الشرعية من خلال افتراض إقامة علاقة عدائية مع العالم أرشيفية

النزعة القومية الصينية سيئة، أو هكذا تبدو لباقي دول العالم. على امتداد معظم القرن الماضي، كانت الصين تنظر إلى نفسها كضحية للتنمر الأجنبي، ولقد استخدم قادة الصين مشاعر السخط لتعزيز قوة الدولة. لكن الآن، وبعد أن أصبحت أكثر قوة، حان دور الصين في التنمر على الآخرين. ومن الطبيعي أن تشعر الدول الأخرى بالقلق.

لكن يوجد نوعان من المشاعر القومية في الصين. الشكل "المتشدد" من القومية، الذي يتركز في الدوائر العسكرية في بكين، وأصحاب المراتب العليا في الحزب، حسبما تفيد وسائل الأعلام الأجنبية. وكان الزعيم الصيني الجديد، شي جينبينغ، قد زار المتحف الوطني الصيني الذي يسلط الضوء على حروب الأفيون وعلى "قرن لاحق من الإذلال والعار" في الصين. وفي أعقاب تلك الزيارة، أطلق نداء من أجل تحقيق "قضية تجديد الروح الوطنية"، وهو ما بدا متزامنا مع حزم الصين المتزايد بالمطالبة بملكية الجزر المتنازع عليها.

تحول الصين

لنكون منصفين، فالمشاعر القومية المتشددة ليست بالضرورة أمرا سيئا. والعبرة من تعزيز قوة الدولة أنها تضمن الاستقرار السياسي حتى يتمكن الناس من قيادة حياة كريمة دون القلق على الحرمان المادي وعدم الأمان الجسدي. بالتالي، كان هناك مغزى من بناء قوة الدولة، عندما كانت الصين فقيرة وتتنمر عليها القوى الأجنبية.

وطبعا، تكمن المشكلة في واقع أن الصين باتت الآن قوة اقتصادية رئيسية، لها حدود إقليمية آمنة نسبيا. بالتالي، بات تبرير القومية المتشددة أكثر صعوبة. وتبدو هذه القومية مصممة ليس لتذكير الصين بالمهانة التي تعرضت لها على يد القوى الخارجية فحسب، وإنما أيضا لجعل الناس ينسون الإهانة الأحدث للصين على يد حكامها.

وبما أن قلة من الناس لا زالوا يؤمنون بالماركسية الآن، فإن الحزب "الشيوعي" الصيني يسعى إلى الشرعية من خلال استحضار شكل من القومية يفترض علاقة عدائية وتنافسية مع باقي العالم. بعبارات أخرى، توظف المشاعر القومية المتشددة، في معظم الأحيان، لوضع الشعب في خدمة الحكومة، وليس العكس.

لكن هناك شكلاً آخر من القومية، دعنا نسمه الشكل "الناعم" من القومية، والذي له مغزى أخلاقي في الصين المعاصرة. ويتركز في نانجينغ عاصمة الصين القديمة. فالمدينة كانت نقطة التقاء بين الشمال "الكونفوشيوسي" والجنوب الأكثر تركيزاً على العقلية التجارية، وأخيراً بين الكونفوشيوسية والثقافة الغربية.

وكانت المدينة أيضا عاصمة للسلالات الصينية الحاكمة عشر مرات على مدى 2500 سنة. وكانت عاصمة الصين لآخر مرة تحت حكم الحزب الوطني الشعبي الصيني، "الكومينتانغ". وما كان ينظر إليها كفترة "إقطاعية" رجعية في السابق تصور الآن بمنظور أكثر إيجابية. فضريح الأب المؤسس صن يات سين ملون بشعار الكومينتانغ، والمتحف المجاور يصور تاريخ هذا الحزب بصورة أكثر توازناً.

تعاليم كونفوشيوس

وكان الكومينتانغ يستقي شرعيته على الأقل جزئيا بترويجه للقيم الكونفوشيوسية، التي هي في صميم المشاعر القومية "الناعمة".

وفي المقابل، تعتز القومية "الناعمة" بقيم كونفوشيوس، التي هي عبارة عن نظرة إنسانية للعالم وسعي لتحسين الذات من خلال التعلم من الآخرين، وهاتان القيمتان يجري إبرازهما في نانجينغ.

والمدينة هي موقع اللحظة الأكثر سوداوية في "قرن الإذلال والعار" الصيني، حيث وقعت مجزرة بحق 300 ألف مدني على يد الجنود اليابانيين في عام 1937. ومتحف "مجزرة نانجينغ" المعاد بناؤه حديثا يصور المجزرة ليست فقط كمأساة وطنية، بل كمأساة إنسانية، حيث تحل محل الدعاية العاطفية المعادية للأجانب شهادات موثقة جدا عن الضحايا، وتكريم للأجانب الذين أنقذوا المدنيين الصينيين، بالإضافة إلى الأجانب الذين تعرضوا للضرب على يد الجنود اليابانيين.

وتتضمن "القاعة التذكارية لشهداء الطيران المعادي لليابان" تكريما لـ 2500 طيار أميركي قتلوا وهم يقاتلون إلى جانب الكومنتانغ في الصراع ضد الغزاة اليابانيين.

ويقصد بهذه المعارض إظهار أن الصينيين يفتخرون بنظرة للعالم تقدر الإنسانية والعطف، بغض النظر عن العرقية أو الانتماءات الوطنية.

وهناك قول مأثور آخر لكونفوشيوس، معروف لكل الصينيين المتعلمين، يفيد بأن مجموعة من ثلاثة أشخاص لا بد أن يكون بينهم معلم دائما. والفكرة هي انه يجب أن نسعى دائما لتحسين أنفسنا بالتعلم من الآخرين. وإذا ما طبق هذا القول على المستوى الوطني، فإنه يعني أن البلاد يمكنها، بل يتعين عليها محاولة التعلم من الدول الأخرى، مما يعني تطوير علاقات طيبة مع تلك البلدان.

التعلم من الآخرين

ويعتز المسؤولون في نانجينغ بقيمة التعلم من الدول الأخرى. فهناك مدرسة ثانوية أسستها إرسالية أميركية تعلم المنهج الأميركي حتى يتمكن الطلبة من الذهاب إلى الجامعة في الولايات المتحدة. ومعاهد التعليم العالي في نانجينغ حريصة على تأكيد روابطها العالمية.

وجامعة نانجينغ كانت الجامعة الأولى في الصين التي أضفت الطابع المؤسسي على عملية تعلم البحوث العلمية ذات الطابع الغربي. وكانت أول جامعة تؤسس أيضا مركزا دوليا للتعليم العالي، وهي مركز الدراسات الصينية الأميركية في جامعة جونز هوبكنز نانجينغ الذي يدرب الدبلوماسيين من أميركا والصين.

ويتحدث رئيس الحزب الشيوعي في نانجينغ، يانغ واي زي، بفخر عن إرث المدينة الثقافي، مشيرا إلى أن أول حكومة لجمهورية الصين جرى تأسيسها في نانجينغ، وكانت مفيدة في الإصلاح في تاريخ الصين لاحقا. ويشير في سياق حديثه إلى روابط نانجينغ الخاصة مع الولايات المتحدة، وهو نفسه تدرب في مدرسة كنيدي التابعة في هارفارد في عام 2006.

من الناحية الأخلاقية، بلا شك تلك القومية "الناعمة" هي طريق المستقبل، أو يجب أن تكون طريق المستقبل. لكن هل بإمكانها أن تنتشر من نانجينغ إلى باقي الصين؟

 

قومية ملطفة

هناك أسباب تدعو للتفاؤل حيال انتشار المشاعر القومية "الناعمة" القائمة على قيم كونفوشيوس. فمعظم المثقفين الصينيين والمصلحين السياسيين يقرون بالحاجة إلى شكل ملطف من القومية. وإعادة إحياء الأخلاق الكونفوشيوسية في النظام التعليمي في الصين يساعد في تحقيق ذلك بلا شك. في أوائل يناير 2011، تم كشف النقاب عن تمثال لكونفوشيوس في ساحة تيانان مين، لكنه أزيل بعد ثلاثة اشهر. وسوف نتأكد من وصول القومية "الناعمة" إلى بكين عندما يعود كونفوشيوس بشكل دائم إلى ساحة تيانان مين.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات