أصوات أميركية تطالب واشنطن بسياسة تمحور حول آسيا بعيدة عن العداء:

الاحتواء ليس أداة سياسة مناسبة للتعامل مع الصين

النمو في قوة الصين (الصلبة) سيخيف على الأرجح جيرانها الذين سوف يتكتلون لموازنتها أرشيفية

حذرت مجلة "إيكونوميست" اللندنية، أخيرا، وهي تستشهد بالخلاف المتصاعد حول الجزر في بحر الصين الشرقي، من أن "الصين واليابان تنزلقان نحو الحرب". قد يكون هذا التقييم أكثر تشاؤما مما ينبغي، لكن التوترات دعمت جهود بعض المحللين الأميركيين الذين كانوا يحثون على سياسة تهدف "لاحتواء الصين".

وعدد كبير من المسؤولين الصينيين يعتقدون أن مثل هذه السياسة هي قائمة أصلا، وهي الغرض الرئيسي من سياسة الرئيس الأميركي باراك أوباما في "التمحور حول آسيا". يقول أستاذ العلاقات الدولية جين كان رونغ: "التمحور كان خيارا غبيا جدا، فالولايات المتحدة لم تحقق شيئا ،بل أزعجت الصين ليس إلا،" مضيفا "إن الصين لا يمكن احتواؤها".

سببان أساسيان

في عام 1994، رفضت إدارة كلينتون فكرة الاحتواء لسببين. أولا، إذا عاملت أميركا الصين كعدو، فإنها تكون قد ضمنت عدوا مستقبليا. وإذا عاملتها كصديق، فإنها تكون قد أبقت المجال مفتوحا لمستقبل أكثر سلما.

ولقد رسمت إدارة كلينتون استراتيجية "الدمج مع التحوط"، وهي على مثال "ثق لكن تحقق" للرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان. كما دعمت أميركا عضوية الصين في منظمة التجارة العالمية، وقبلت بقدوم السلع الصينية والسياح الصينيين. لكن إعلانا في 1996 أعاد تأكيد واقع أن المعاهدة الأمنية بين أميركا واليابان ما بعد الحرب العالمية الثانية كانت الأساس لمنطقة مستقرة ومزدهرة في شرق آسيا. ولقد بدأ الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون أيضا في تحسين العلاقات مع الهند، في سبيل موازنة صعود الصين.

وهذه الاستراتيجية كانت تحظى بدعم الحزبين في أميركا. والرئيس الأميركي جورج بوش مضى قدما في تحسين العلاقات مع الهند، فيما كان يعمق الروابط الاقتصادية مع الصين.

كذلك، سياسة أوباما بـ "إعادة التوازن" نحو الشرق تضمنت نقل الترسانة البحرية إلى المحيط الهادي، إلى جانب التجارة ومبادرات حقوق الإنسان والمبادرات الدبلوماسية. وكما قال مستشاره للأمن القومي، ثوماس دونيلون في نوفمبر الماضي، فإن العلاقات الأميركية الصينية "لديها عناصر من التعاون والتنافس معا".

وحدة غير متراصة

وآسيا ليست وحدة متراصة، وتوازن القوة الداخلي لديها يجب أن يكون حيويا للاستراتيجية الأميركية. فاليابان والهند وفيتنام ودول أخرى لا ترغب في أن تهيمن عليها الصين، وبالتالي ترحب بوجود أميركي في المنطقة.

والى أن تصبح الصين قادرة على جذب حلفاء من خلال تطوير "القوة الناعمة" بشكل ناجح، فإن النمو في قوتها "الصلبة" الاقتصادية والعسكرية سيخيف على الأرجح جيرانها، الذين سوف يتكتلون لموازنة قوتها.

بالتالي يساعد وجود عسكري واقتصادي أميركي هام في الحفاظ على ميزان القوى في آسيا ويشكل بيئة تؤمن الحوافز المناسبة للصين من أجل التعاون. بعد الأزمة المالية في عامي 2008-2009، اعتقد بعض الصينيين عن خطأ أن أميركا هي في حالة من التراجع الدائم، وأن هذا يمثل فرصا جديدة للصين. والنتيجة كانت تدهور علاقات الصين مع اليابان والهند وكوريا الجنوبية وفيتنام والفليبين، وهذه زلة أكدت أن "الصين وحدها يمكنها أن تحتوي الصين".

لكن إعادة التوازن الأميركي نحو آسيا يجب أن لا يكون عدائيا. ينبغي أن تلتفت أميركا لتحذير جورج كينان، واضع نظرية الاحتواء، ضد المبالغة في العسكرة، وإلى ضمان عدم شعور الصين بأنها محاصرة أو مهددة. والاقتصادان الأكبر في العالم لديهما الكثير من إمكانيات الاستفادة في مجال التعاون على محاربة التغيير المناخي والأوبئة والإرهاب الإلكتروني وانتشار الأسلحة النووية.

ومع زيادة اعتماد الصين على نفط الشرق الأوسط، يتعين على أميركا أن تناقش الأنظمة البحرية لضمان المرور الحر للسفن، وإشراك الصين في المناورات البحرية في المحيط الهادي. ويتعين على الأميركيين أن يساعدوا الصين في تطويرها لموارد طاقة محلية مثل "الغاز الصخري"، إلى جانب تشجيع الصين واليابان على إعادة إحياء خطتهما العائدة لعام 2008 في سبيل استغلال مشترك للغاز تحت البحر. ويجب أن توضح أميركا للصين أنها إذا لبت معايير محددة، فإنه سيكون بإمكانها أن تنضم إلى مفاوضات الشراكة عبر المحيط الهادي، وهي عبارة عن اتفاقية تجارة حرة مقترحة حول المحيط الهادي.

والاحتواء ليس أداة السياسة المناسبة للتعامل مع الصين الصاعدة. والقوة هي القدرة على الحصول على النتائج التي نريدها، والقوة الأميركية هي أعظم أحيانا عندما تتحرك مع الآخرين بدلا من مجرد فرض نفسها عليهم.

 

ظروف متغيرة

الاحتواء الذي يحث عليه بعض المحللين الأميركيين في العلاقة مع الصين، كان مصمما لحقبة مختلفة، وهو ليس ما تحاول الولايات المتحدة القيام به الآن، أو ما يفترض أنها تحاول القيام به.

في بداية الحرب الباردة، كان الاحتواء يعني العزلة الاقتصادية للسوفييت، ويعني التحالفات الإقليمية مثل حلف شمالي الأطلسي "ناتو" لردع التوسع العسكري لموسكو. لاحقا، لسوء حظ جورج كينان، واضع نظرية الاحتواء، فإن المبدأ أدى إلى نظرية "تأثير الدومينو" التي كانت وراء التصعيد في حرب فيتنام. والاحتواء العائد للحرب الباردة عمليا لم يشمل التجارة، وكان هناك قليل من التواصل الاجتماعي. لكن الصين الآن ليست كما كان عليه الاتحاد السوفييتي في وقتها. فهي لا تسعى إلى الهيمنة الدولية، والولايات المتحدة ليست لديها تجارة هائلة مع الصين فحسب، وإنما أيضا تبادل هائل للطلبة والسياح.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات