أكد المفكر والناشط العالمي نعوم تشومسكي، أن «التقدم الذي أحرزه الربيع العربي محدود، لكن لا يمكن اعتباره عديم الأهمية»، وقال في مقابلة أجراها معه الإعلامي ديفيد برساميان لنشرها في كتابه بعنوان «أنظمة السلطة: حوارات حول الانتفاضات الديمقراطية في العالم والتحديات الجديدة للإمبراطورية الأميركية» الذي يصدر قريباً: إن أميركا متخوفة من الإسلام السياسي لأنها ترى فيه تطوراً مستقلاً.
وشدد على أن النظام الدكتاتوري الذي يسيطر عليه الغرب يتآكل تدريجياً، فيما تفشل الجهود المستمرة لعكس اتجاه تأميم مصادر الطاقة.
وأعرب تشومسكي عن اعتقاده أن السياسات الأميركية تبقى ثابتة، لكن القدرة على تطبيقها تتراجع، أما المبدأ الذي تعتمده فيقوم على أن أميركا تمتلك العالم، ويحق لها استخدام القوة وفقاً لمشيئتها.
وفي ما يلي نص الحوار:
هل لدى الولايات المتحدة المستوى نفسه من السيطرة على موارد الطاقة في الشرق الأوسط كما كانت الحال في السابق؟
مازالت الدول الرئيسية المنتجة للطاقة تحت سيطرة دكتاتوريات مدعومة من الغرب بشكل صارم. بالتالي، فإن التقدم الذي أحرزه الربيع العربي محدود، لكن ليس عديم الأهمية. غير أن الأنظمة الدكتاتورية التي يسيطر عليها الغرب تتآكل. وهي في الواقع تتآكل منذ بعض الوقت. وبالتالي، على سبيل المثال، إذا عدنا 50 سنة إلى الوراء، فإن مصادر الطاقة التي تشكل مثار القلق الرئيسي للمخططين الأميركيين، قد تم تأميمها في معظمها، وهناك محاولات مستمرة من قبلهم لعكس هذا الاتجاه، لكنهم لم يفلحوا حتى الآن.
لنأخذ الغزو الأميركي للعراق، على سبيل المثال. بالنسبة للجميع باستثناء الأيديولوجيين الملتزمين، كان واضحاً تماماً أن أميركا غزت العراق ليس حباً في الديمقراطية، وإنما لأنه يشكل المصدر الثاني أو الثالث للنفط في العالم، ويقع وسط منطقة رئيسية منتجة للطاقة. على الرغم من أنه ليس من المفترض التفوه بهذا الكلام، فهذا يعتبر ضمن نظرية المؤامرة.
عالم بأقطاب ثلاثة
هل تتراجع السيطرة الأميركية بسبب الضعف الاقتصادي؟
يعود التراجع في جانب منه إلى أن العالم أصبح أكثر تنوعاً، وأصبحت فيه مراكز قوى متنوعة.
ومن جهة أخرى، تراجعت القدرة على الحفاظ على السيطرة بشكل صارم. بحلول عام 1970، كان العالم قد أصبح ثلاثي الأقطاب اقتصادياً، مع مركز صناعي أميركي شمالي قائم في الولايات المتحدة، ومركز أوروبي متقارب نسبياً من حيث الحجم موطنه ألمانيا، ومركز شرق آسيوي قائم في اليابان، التي كانت منطقة النمو الأكثر ديناميكية في العالم حينها. ومنذ ذلك الحين، أصبح النظام الاقتصادي الدولي أكثر تنوعاً. وبالتالي غدا تطبيق السياسة أكثر صعوبة، لكن المبادئ الضمنية لم تتغير كثيراً.
لنأخذ مبدأ كلينتون الذي يفيد بأن أميركا يحق لها اللجوء إلى القوة الأحادية الجانب لضمان «النفاذ غير المقيد إلى الأسواق الرئيسية وإمدادات الطاقة والموارد الاستراتيجية». وهذا المبدأ يتجاوز كل ما قاله الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش. لكنه كان هادئاً ولم يكن متعجرفاً أو وقحاً، بالتالي لم يولد كثيراً من الصخب والجلبة. والاعتقاد بهذا الأمر مستمر إلى يومنا هذا. وهو أيضاً جزء من الثقافة الفكرية في أميركا، حتى بالنسبة لمن يدعى أقصى الطيف السياسي اليساري الليبرالي. فالمبادئ الأساسية لم تتغير كثيراً. لكن القدرة على تطبيقها تقلصت بشكل كبير. ولهذا نجد كل هذا الحديث عن التراجع الأميركي.
لنلق نظرة على عدد آخر السنة الماضية من مجلة «فورين أفيرز»، وهي المجلة الرئيسية التي تعبر عن وجهة النظر الرسمية الأميركية. فغلافها الخارجي يسأل بحروف كبيرة «هل انتهت أميركا؟». وهذه شكوى نموذجية لمن يعتقد أنه يجب أن يملك كل شيء. فإذا كانت أميركا تعتقد أنه يحق لها كل شيء، وأي شيء يخرج من يدها يعد مأساة، فإن العالم بالنسبة لها لا بد أنه ينهار. بالتالي هل انتهت أميركا؟ منذ مدة طويلة «خسرنا» الصين، وخسرنا جنوب شرق آسيا، وخسرنا أميركا الجنوبية. وربما سنخسر دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فهل انتهت أميركا؟ إن هذه الشكوى نوع من «البارانويا»، لكنها «بارانويا» تعود إلى فاحشي الثراء والقوة. وبالنسبة لهم، إذا لم تملك أميركا كل شيء، فإن هذا يشكل كارثة.
تصف صحيفة «نيويورك تايمز»، مأزق السياسات المحددة للربيع العربي على النحو الآتي: كيفية موازنة الدوافع الأميركية المتناقضة، والتي تتضمن الدعم للتغيير الديمقراطي، والرغبة في الاستقرار، والحذر من الإسلاميين الذين أصبحوا قوة سياسية أساسية. فما الذي تراه في هذه الأهداف الأميركية الثلاثة؟
يتسم هدفان من هذه الأهداف الثلاثة بالدقة. فأميركا تميل إلى الاستقرار وتفضله. لكن علينا أن نتذكر ماذا يعنيه الاستقرار لأميركا. إنه يعني الامتثال للأوامر الأميركية.
التخوف الأميركي
أما التخوف من الإسلام السياسي فهو تخوف مماثل لأي تخوف من أي تطور مستقل. كل ما هو مستقل يثير المخاوف، لأنه قد يقوض سلطة أميركا. وفي الواقع، هذا الأمر مثير للسخرية قليلاً، لأن أميركا وبريطانيا تقليدياً، دعمتا بقوة الأصولية الإسلامية المتشددة، وليس الإسلام السياسي، كقوة لمنع القومية العلمانية التي تمثل مصدر القلق الحقيقي بالنسبة لهما. دعمتاها بشكل ثابت ضد تهديد القومية العلمانية من مصر المتمثلة بالرئيس المصري الأسبق جمال عبدالناصر، ومن العراق المتمثلة بالرئيس العراقي الأسبق عبدالكريم قاسم، من بين أمثلة عدة أخرى، لكنهما لا تكنان الإعجاب للإسلام السياسي، لأنه قد يصبح مستقلاً.
والنقطة الأولى المتعلقة بسعينا نحو الديمقراطية، فإنها تشبه قيام الزعيم السوفييتي الأسبق جوزيف ستالين بالتحدث عن التزام روسيا بالحرية والديمقراطية. وهي من نوع التصريحات التي تثير السخرية عند سماعها.
إذا ما نظرنا إلى السجل الأميركي، فإن السعي إلى الديمقراطية يعد مزحة ثقيلة. وأحد العلماء المهمين العاملين على ما يسمى «تشجيع الديمقراطية» هو المحافظ الجمهوري ثوماس كاروثرز، ويعد من أتباع «الريغانية الجديدة» وليس ليبرالياً. ولقد عمل في وزارة الخارجية الأميركية في ظل رئاسة ريغان، وله عدة كتب بشأن عملية تشجيع الديمقراطية التي يأخذها على محمل الجد إلى حد بعيد. يقول: إن تشجيع الديمقراطية يعد من القيم الأميركية الراسخة في العمق، إلا أن تاريخه يثير السخرية، والتاريخ يفيد بأن كل الإدارات الأميركية «تعاني من انفصام الشخصية». تدعم الديمقراطية فقط إذا كانت متوافقة مع مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية المحددة.
بعد أشهر قليلة من سقوط الرئيس المصري حسني مبارك في مصر، وقف هذا الأخير في قفص الاتهام يواجه تهماً جنائية يقاضى عليها. ومن غير المحتمل تخيل أن قادة أميركا سيحاسبون في أي وقت من الأوقات على جرائهم في العراق وغيرها. هل سيتغير هذا الأمر قريباً؟
هذا هو مبدأ الليبرالي اليساري المعروف، ماثيو إيغلاسياس الذي قال: إن أسس النظام الدولي تقوم على أن أميركا لها الحق في استخدام العنف وفقاً لمشيئتها. بالتالي كيف يمكن اتهام أحد بقضية ما؟.
الحق الموروث
وليس هناك من طرف آخر له هذا الحق؟
بالطبع لا. حسناً، ربما عملاء أميركا أيضاً. فإذا ما غزت إسرائيل لبنان وقتلت الألوف ودمرت نصف البلاد، فإنه لا بأس في ذلك. وهذا الأمر مثير للاهتمام. كان باراك أوباما عضواً في مجلس الشيوخ قبل أن يصبح رئيساً. وهو لم يفعل الشيء الكثير حينها، لكنه قام ببعض النشاطات، بما في ذلك نشاط كان فخوراً به تحديداً. ففي موقعه الإلكتروني على الإنترنت قبل الانتخابات التمهيدية، قام بتسليط الضوء على واقع أنه شارك خلال الغزو الإسرائيلي للبنان في عام 2006، في رعاية قرار في مجلس الشيوخ يطالب أميركا بعدم اعتراض التحركات العسكرية لإسرائيل إلى أن تحقق أهدافها، وانتقد سوريا، لأنها كانت تساعد على مقاومة تدمير إسرائيل للجنوب اللبناني للمرة الخامسة في غضون 25 عاماً. بالتالي، الإسرائيليون يرثون هذا الحق، وغيرهم من عملاء أميركا أيضاً.
لكن هذا الحق يقع في واقع الحال في واشنطن، وهذا ما يعنيه امتلاكها للعالم. إنه مثل الهواء الذي نتنشقه، والذي لا يمكن طرح تساؤل حوله. والمؤسس الرئيسي لنظرية العلاقات الدولية المعاصرة، هانز مورجانثو، كان بالفعل رجلاً يحظى بالاحترام، ومن العلماء السياسيين والاختصاصيين بالشؤون الدولية القلائل الذين انتقدوا حرب فيتنام على أسس أخلاقية، وليس تكتيكية. وهذا الأمر نادر جداً. لكنه ألف كتاباً يدعى «غاية السياسات الأميركية».
فالدول الأخرى ليست لها غايات. وغاية أميركا في المقابل «متسامية»، تتمثل في جلب الحرية والعدالة لبقية العالم. لكن لكونه عالماً جيداً مثل كاروثرز، مر على السجل الأميركي، ليقول: إن أميركا تبدو كما لو أنها لم ترتق لغايتها المتسامية، عند النظر في سجلها. فهذه الغاية اعتقاد ديني مترسخ في العمق، وهو عميق إلى حد يصعب فصله. وإذا كان هناك من يشكك في ذلك، فإنه يثير حالة قد تصل إلى حدود الهستيريا، وفي أحيان كثيرة إلى تهم بمناهضة النزعة الأميركية أو «كره» أميركا، وهذه المفاهيم المثيرة للاهتمام غير موجودة في المجتمعات الديمقراطية، وإنما فقط في المجتمعات الشمولية، وهنا في أميركا، حيث تؤخذ كأمر مفروغ منه.
إعادة تنصيب نظام السيطرة
هزمت أميركا بصورة حقيقية في العراق على يد الوطنية العراقية، وفي الأساس بوسائل المقاومة غير العنيفة. فأميركا تستطيع أن تقتل المتمردين، لكنها لا تستطيع أن تتعامل مع نصف مليون شخص يتظاهر في الشارع. وخطوة خطوة، تمكن العراق من تفكيك مواقع السيطرة للقوات المحتلة. وبحلول نوفمبر 2007، أصبح واضحاً تماماً أن التوصل إلى الأهداف الأميركية سيترتب عليه صعوبة كبيرة.
وعند هذه النقطة، وبشكل مثير للاهتمام، تم الإعلان عن تلك الأهداف بشكل صريح. في ذلك التاريخ، خرجت إدارة بوش الابن ببيان رسمي حول ما يفترض أن يكون عليه أي ترتيب مستقبلي مع العراق. وهذا الترتيب تضمن مطلبين أساسيين، أولهما أن تكون لأميركا الحرية في تنفيذ عمليات قتالية من قواعدها العسكرية التي سيجري الاحتفاظ بها هناك، وثانيهما، أن يجري «تشجيع تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى العراق لاسيما الاستثمارات الأميركية». ولقد أوضح بوش هذا الأمر بجلاء في إحدى الوثائق الموقعة في يناير 2008. لكن خلال أشهر معدودة، وفي وجه المقاومة العراقية، كان على أميركا أن تتخلى عن كل هذا. والسيطرة على العراق تختفي الآن أمام أعيننا.
لقد كان العراق عبارة عن محاولة لإعادة تنصيب ما يشبه نظام السيطرة القديم بالقوة، لكنه هزم. وعلى العموم، أعتقد أن السياسات الأميركية تبقى ثابتة، وتعود إلى أيام الحرب العالمية الثانية. لكن القدرة على تطبيقها تتراجع.
مفهوم الاستقرار
في رده على سؤال بشأن تفضيل السياسة الأميركية الاستقرار السياسي، يقول المفكر العالمي نعوم تشومسكي: «تتهم أميركا الدول بزعزعة استقرار الدول المجاورة من خلال مد نفوذها إلى تلك الدول، فيما هي، في المقابل، «تزعزع» استقرار الدول عندما تغزوها وتدمرها».
وهو يستعين بالمحلل الليبرالي في السياسة الخارجية جيمس تشايس، الذي كان محرراً في مجلة «فورين أفيرز»، لتوضيح فكرته، فيقول: إن تشايس، «فيما كان يتحدث عن الإطاحة بنظام سلفادور إلليندي في تشيلي، وفرض دكتاتورية أوغستو بينوشيه في عام 1973، قال إنه كان على أميركا زعزعة استقرار تشيلي لمصلحة الاستقرار». ويؤكد في هذا السياق، على أن هذا الأمر لا ينظر إليه كتناقض في أميركا، وهو ليس كذلك أيضاً. ويقول: «كان على أميركا تدمير النظام البرلماني في سبيل الحصول على الاستقرار، والاستقرار يعني تنفيذ ما تطلبه منهم أميركا التي تفضل الاستقرار بهذا المعنى».
