تزعزع الحرب الأهلية في سوريا استقرار العراق بتغييرها ميزان القوى بين الجماعات المكونة للبلاد. ولطالما شعرت الأقلية السنية في العراق، التي بدت مهزومة منذ سنتين، بالمرارة والغضب إزاء التمييز ضدها من قبل الدولة. أما اليوم، فإنها تشعر بأنها معززة بانتفاضة السنة السوريين، بالإضافة إلى شعورها المتزايد بأن المد السياسي في الشرق الأوسط ينقلب لصالحها.
فهل يمكن أن ينتشر نوع من الانتفاضة السورية إلى مناطق الأنبار الغربية والمناطق السنية في العراق شمال بغداد؟ الجواب على ذلك، وهو يعتبر حاسما لمستقبل العراق، يعتمد على الكيفية التي يرد بها رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي على الاحتجاجات في مناطق الأنبار ومعاقل السنة.
ومشكلته تشبه تلك التي واجهت حكام تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا منذ سنتين. فقد كان عليهم أن يختاروا بين التنازل عن بعض السلطة أو الاعتماد على القمع. ومعظم القادة العرب اختاروا الطريق الخطأ، وعاملوا الاحتجاجات كما لو أنها مؤامرة.
والوضع في العراق ليس مماثلا تماما، بما أن المالكي يدين بمنصبه إلى فوزه بانتخابات حقيقية، على الرغم من أن هذا النجاح لم يكن كاملا، واعتمد بشكل ساحق على أصوات الشيعة. ومع ذلك، فقد حكم كما لو أن لديه تفويضا يجيز له احتكار السلطة.
موقف متردد
وكان موقف المالكي مترددا حيال الاحتجاجات، منذ أن بدأت في ديسمبر السنة الماضية. في بعض الأحيان، شجبها كمؤامرة من قبل بعثيين سابقين أو أعداء للدولة يعملون لقوى خارجية معادية. وفي أحيان أخرى، قدم تنازلات، لكنها لم تكن كافية لتهدئة الاحتجاجات. واستراتيجيته تتمثل ربما بإضاعة الوقت والمماطلة، وهذا النهج خدمه جيدا في الماضي.
ولقد فقد قادة السنة التقليديون من أمثال نائب رئيس الوزراء صالح المطلك، ووزير المالية رافع العيساوي، مصداقيتهما بشكل واسع في الشارع. وبدلا من ذلك، يتطلع المحتجون إلى الشيخ عبد الملك السعدي وهو معارض قديم للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، وكان أخوه قد قتل على يد رجال تنظيم القاعدة في العراق عام 2010.
ولقد سعى السعدي للحفاظ على الاحتجاجات وعدم اختطافها من قبل مجموعات مسلحة، مطالبا بالحقوق المدنية والسياسية دون الوصول إلى حد المطالبة بإسقاط الدولة، وبالتالي استبعاد الأغلبية الشيعية. من وجهة نظر السنة، فان التهديد غير المعلن باللجوء إلى السلاح يعتبر اكثر فاعلية من استخدامه فعلا، وخطوة في هذه الطريق ستعزلهم.
ولقد دعم الزعيم الديني الوطني مقتدى الصدر الذي لديه جمهور كبير من المناصرين له من الشيعة التظاهرات طالما أنها لا تشكل نذيرا لثورة مضادة ضد التسوية السياسية في مرحلة ما بعد صدام. والمرجعية الشيعية في النجف أوضحت اكثر من أي وقت مضى أنها لا تريد من المالكي أن يلعب بالورقة الطائفية.
وهناك ميزة إضافية للسنة هي أنه للمرة الأولى منذ عام 2003، يبدو مجتمعهم موحدا إلى حد كبير. وكان خطؤهم في عام 2003 و2004 في السماح لانتفاضتهم ضد الولايات المتحدة أن تتحول إلى طائفية عنيفة بدلا من الاعتماد على الوطنية العراقية.
والسياسة العراقية قد تكون طائفية وقبلية، لكن الوطنية العراقية في الجزء العربي من البلاد (دون كردستان) تبقى قوة مهمة ويجري التقليل من شأنها غالبا.
تصورات خاطئة
وتخطئ حكومة بغداد في تصور أن الاحتجاجات هي مؤامرة. وهناك استياء واسع النطاق في العراق من فساد الحكومة وعدم الكفاءة ونقص الوظائف والفشل في توفير الخدمات العامة، على الرغم من وصول إيرادات النفط إلى 100 مليار دولار في السنة.
لكن الحكومة على صواب في الاعتقاد أن البيئة الدولية تغيرت لصالح السنة في العراق وأن الثورة المضادة هي على قدم وساق. وبالنسبة لأصحاب الثورة المضادة، فإن بغداد تمثل الجائزة الأهم بدلا من دمشق.
والمرارة التي تعتمل في صفوف السنة بسبب التمييز ضدهم تسري عميقا. فالناس تسجن لفترات طويلة بناء على أدلة يقدمها مخبرون سريون تحت قانون مكافحة الإرهاب الشامل. والألوف يقبعون في السجون من دون التحقيق معهم.
واجتثاث البعث اصبح شكلا من العقاب الجماعي لكل السنة. وهناك كثير من الشباب في المدن، مثل صلاح الدين والموصل، الذين ليست لديهم وظائف ولا يوجد أمامهم أفق للحصول على وظيفة، وسيحملون السلاح في ظل توفر إمكانية الحصول عليه.
لكن من الخطأ الاعتقاد أن حكومة المالكي ترزح تحت وطأة بارانويا خادمة للذات في الاشتباه بأن تظاهرات الأنبار تشكل الحرس المتقدم لهجوم مضاد سني. فبعض السنة يرغب فعلا بثورة مضادة.
ولقد أظهر تنظيم القاعدة إشارات متجددة إلى القوة، أخيرا. فشن عمليات انتحارية عدة ضد مقرات الشرطة في كركوك وقتل على الأقل 16 شخصا وجرح 90.
وفي اليوم التالي، فجر انتحاري نفسه وسط تجمع لميليشيا الصحوة السنية المعادية للقاعدة في التاجي بشمال بغداد وقتل 22 منهم. ولقد قتل 26 شيعيا أيضا في بغداد والحلة أخيرا. والهجمات تظهر أن القاعدة ما زال بإمكانها تجنيد انتحاريين بأعداد كبيرة، والحدود المفتوحة مع سوريا تجعل مهمتهم أكثر سهولة.
والدرس من تاريخ العراق الأخير هو أن القوة وحدها لا تنفع ضد مجتمعات مهمشة، سواء أكانوا من السنة أو الأكراد أو الشيعة. وحتى العنف الاستثنائي لنظام صدام حسين أعطاه سيطرة مؤقتة على العراق. وهذا الأمر ينطبق على الجيش الأميركي، مع كل معداته المتطورة وجنوده المدربين وإنفاقه الهائل.
ومن غير المرجح أن تنجح حكومة المالكي حيث فشل كل من صدام حسين والأميركيون.
