شكل إطلاق النار الأخير في مدرسة "ساندي هوك" صدمة لأميركا في الصميم، وأطلق سجالا وطنيا محتدما.

وبالتالي شعر الرئيس الديمقراطي في ولايته الثانية في البيت الأبيض بالجرأة الكافية ليدعو إلى تشريعات جديدة بشأن الأسلحة في خطاب حالة الاتحاد. ومع علمه التام بأن الكونغرس كان معاديا لهذه التشريعات، فقد قرر استخدام خطاب متلفز لتجاوزهم من خلال مناشدة الناخبين الأميركيين.

ومن أجل إعطاء رسالته زخما أقوى، دعا الرئيس الأميركي باراك أوباما بعضا من أولياء أمور الطلبة الذين قتلوا للجلوس بين المدعوين. وعندما وصل إلى قضية الأسلحة، أومأ بيده إلى الأقارب المتأثرين، ودعا الكونغرس لإعطائهم العدالة، مدركا أن خصومه الأشد سوف يجبرون على التصفيق احتراما.

فشل كلينتون

وهذا بالتحديد ما فعله الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون في خطاب حالة الاتحاد منذ 13 عاما. في أعقاب إطلاق النار في مدرسة كولومباين بكولورادو عام 1999، دعا كلينتون لقيود جديدة على الأسلحة.

وفي لحظة مهمة خلال خطابه، أجبر الكونغرس المعادي على النهوض أمام أولياء أحد الطلبة المغدورين.لكن نتيجة هذا العرض المسرحي السياسي القوي لكلينتون، لم تكن مؤثرة على صعيد التشريعات المتعلقة بالأسلحة.

وفشل كلينتون لا يقيم الدليل على أن إصلاحات أوباما ستبوء بالفشل أيضا. لكنه يمثل تذكيرا بأنه ربما قد يفشل. ولدى أوباما الأصوات الكافية لإجراء إصلاحات تطال تشريعات الأسلحة في مجلس الشيوخ، تماما كما كانت لكلينتون، لكن مجلس النواب الذي يسيطر عليه الجمهوريون يناصب الرئيس العداء الآن كما كان من قبل.

لكن قد تكون لأوباما المعاد انتخابه ديناميكية سياسية أقوى لصالحه مما كان لكلينتون في أعقاب إجراءات الإقالة بحقه. وعلى الرغم من أن التاريخ أحيانا يعيد نفسه، إلا أنه في أوقات أخرى لا يفعل ذلك.

وعند النظر إلى المسألة من الخارج، يبدو مثيرا رؤية إصلاح بشأن الأسلحة مفروغا منه بالنسبة للأوروبيين الليبراليين، يشكل قضية محورية لولاية أوباما الثانية. فالأمر يبدو ساذجا لسببين يرتبطان ارتباطا وثيقا.

السبب الأول هو طبيعة الأغلبية الجمهورية في الكونغرس في واشنطن. والجمهوريون الذين انتخبوا في اليوم نفسه الذي أعيد انتخاب أوباما إلى البيت الأبيض، يدينون في حصولهم على الأغلبية إلى التلاعب المكثف بحدود الدوائر الانتخابية التي تنتخب عضوا واحدا في الكونغرس، وذلك من قبل الهيئات التشريعية في الولايات التي يسيطر عليها الجمهوريون منذ عام 2010.

ونتيجة لذلك، فاز الديمقراطيون بأصوات الشعب في مجلس النواب بفارق 1.4 مليون صوت في نوفمبر، فيما فاز الجمهوريون بأغلبية واضحة قدرها 33 مقعدا.

وفي بعض الولايات التي فاز بها أوباما، حاز الجمهوريون على حصة الأسد من مقاعد الكونغرس بالوسائل نفسها، على سبيل المثال، 13 من أصل 18 في بنسلفانيا، و12 من أصل 16 في أوهايو، و8 من أصل 11 في فرجينيا.

وهذا يعني، كما قال مايكل توماسكي أخيرا، أن عددا أكبر من المعتاد من الجمهوريين في الكونغرس الحالي يمثل ولايات يقل احتمال فوز الديمقراطيين فيها كثيرا، أي ما يصل إلى 15 جمهوريا فقط من أصل 234 مقعدا يجلسون على مقاعد في الولايات التي فاز بها أوباما في عام 2012.

ونتيجة لذلك، فإن الجمهوريين يواجهون ضغوطا أقل للتصرف بطريقة معتدلة وضغوطا أشد لإرضاء اليمين الجمهوري. وكما يشير المراقبون، فإن كل هذا يضيف ليصل إلى بنية سياسية داخل الحزب الجمهوري تكافئ التعطيل ولا تعتبر المساومة مع أوباما مقايضة معقولة بل غدرا.

الأخبار السيئة

وهذا، على الأرجح، سيعني أخباراً سيئة لعملية إصلاح تشريعات الأسلحة أو لموضوع أجندة التغيير المناخي. وهناك شعور بأن هاتين القضيتين تحتلان المرتبة الثانية في ولاية أوباما الثانية.

لكن القضية الكبرى تتمثل في الإنفاق الفيدرالي. وبالنسبة لأوباما، كما أوضح في الخطاب، فإن هذا الموضوع يعني التحفيز والاستثمار في البنية التحتية، وفرض الضرائب على الأغنياء.

بالنسبة للجمهوريين، فإنه يعني الاقتطاع من الحكومة الفيدرالية باستثناء الإنفاق الدفاعي، وتخفيضات كبيرة في الإنفاق وضرائب منخفضة. طريقتان مختلفتان في النظر إلى الاقتصاد ودور الحكومة تخوضان معركة التفوق، ولم تحسما في صناديق الاقتراع في نوفمبر الماضي.

وبالنسبة للجانبين، فان الجولة الثانية من المعارك في مارس حول الإنفاق الفيدرالي تحتل الآن الصدارة والمركز. قد يحظى أوباما بفوز محدود، كما فاز في المنافسة السابقة حول ما يسمى بـ "حافة الهاوية". ويصعب التكهن ما إذا كان سيحظى بفوز حاسم، كما هي الحال بالنسبة لتحديد مسار العمل الحكومي لما تبقى من رئاسته. لكن خطابه الأخير مهم لأنه شكل فرصته لتشكيل هذه المواجهة المقبلة.

وبالحكم عليه بناء على الخطابين الكبيرين خلال ولايته الثانية، خطاب التنصيب الثاني وخطاب حالة الاتحاد، يبدو أن أوباما يؤمن بشيئين. أولا، بتأرجح المزاج الأميركي نحو الحاجة إلى حلول تقودها الحكومة بدلا من خيارات فردية من نوع "دعه يعمل، دعه يمر".

 ثانيا، بعدم ميل الجمهوريين إلى المساومة، مما يعني أنهم سيتحركون تحت ضغط الرأي العام فقط. وهذان يدفعان بإطراد الرئيس الأكثر توافقية غريزيا نحو المواجهة وتعزيز سلطته الرئاسية. وما إذا كان الأميركيون سيقرون بأن الأمور باتت جدية بما يكفي لدعمه في المعارك المقبلة، يبقى أمرا مجهولا إلى حد بعيد.