نزل المحتجون المصريون إلى الشوارع مجدداً للاحتجاج على الانتقال السياسي المخيب للأمل هناك. وكانت الاضطرابات التي بدأت بمناسبة الذكرى الثانية لانتفاضة 25 يناير أكثر سوءاً من المواجهات التي سبقتها، ودامت لفترة أطول.
وأخيراً، كان القتال محتدماً في مدن السويس والإسماعلية وبورسعيد، حيث قامت الشرطة بإطلاق الغاز المسيل للدموع وطلقات الخرطوش والذخائر الحية على الحشود، ما أسفر عن مقتل 60 وجرح ألف من المصريين. وهناك فيديو تم توزيعه يصور الشرطة وهي تضرب بوحشية رجلاً كان قد جرد من ملابسه. لكن لجوء الدولة المستمر إلى القوة لم يفعل إلا القليل في وقف العصيان المدني. وهو يعمل في الواقع على تعزيز مزاعم المحتجين، بأن الدولة تواصل قمع المواطنين، وبأن الانتقال كان زائفاً.
وتبقى وزارة الداخلية المصرية أشد المؤسسات عرضة لمشاعر الكراهية في البلاد. في عام 2009، وظفت هذه الوزارة ما مجموعه 1.7 مليون عنصر، بما في ذلك نحو 750 ألف شرطي و400 ألف موظف في مباحث أمن الدولة المخيف. وفي ظل نظام الرئيس المصري السابق حسني مبارك، كان هذان الجهازان مسؤولين عن قدر غير مبرر من المراقبة الداخلية والفساد والتعذيب والوحشية على يد الشرطة.
تغيير محدود
اليوم لم يتغير إلا القليل. وجهاز المباحث أحلت مكانه وكالة الأمن الوطني المصري التي تتسم بالعنف كما سابقتها، بل هي الجهاز نفسه إنما باسم جديد. وتزعم منظمة محلية غير حكومية أنه في الأيام المئة الأولى من حكم الرئيس المصري محمد مرسي، تم تعذيب 88 شخصاً، كما قتل 34 شخصاً في مراكز الشرطة خارج نطاق القضاء على امتداد البلاد، لكن لم تجر إدانة شخص واحد مرتبط بهذا الجهاز القمعي الجديد للحكومة بجريمة واحدة. في الواقع منذ انتفاضة 2011، حكم فقط على ضابطين في الشرطة بالعلاقة بأعمال عنف.
ووزارة الداخلية المحمية من قبل النخبة السياسية في مصر، أجرت بعض التغييرات الشخصية. فأجبر البعض على التقاعد، لكن معظم المسؤولين واللواءات من حقبة مبارك وضعوا في مواقع أخرى من البيروقراطية، حيث يتمتعون بمرتبات عالية وضمانات بحصانة على جرائمهم السابقة. والرجال الذين أخذوا المناصب الشاغرة هم نواب أبناء النظام السابق. بالتالي تستمر التراتبية والثقافة والفلسفة نفسها.
والتردد في إصلاح وزارة الداخلية ربما كان متوقعاً من الجيش. لكن مرسي وجماعة الإخوان المسلمين كانوا ضحايا القبضة الحديدية للدولة لفترة طويلة، لذا فإنه من المستغرب أن يكونوا حريصين بالقدر نفسه على إبقاء النظام القديم في مكانه. ورغبتهم في البقاء في السلطة على ما يبدو قد قادتهم إلى الدخول في تحالفات غريبة.
بالإضافة إلى ذلك، فإن الانتقال من الحكم العسكري إلى الحكم المدني كان مبنياً على نحو يجبر الفائز بالانتخابات الرئاسية على المساومة مع النظام القديم. ونتيجة لذلك، تجاهل أو منع الرئيس والبرلمان قصير الأجل والمجلس الأعلى للقوات المسلحة، الجهود التي قامت بها جماعات مثل المبادرة الوطنية لإعادة بناء الشرطة من أجل إضفاء الطابع المهني وإصلاح القطاع الأمني. والأحكام القضائية الأخيرة تستمر في وضع الشرطة فوق القانون، ما يشجع عناصرها على الاستمرار في الدفاع عن النظام، على نقيض خدمة السكان.
موقف الجيش
والجيش الذي أشرف على عملية الانتقال غير المنظمة على امتداد 17 شهراً، يلعب أيضاً دوراً دقيقاً، وهو محاصر بين الحكومة والأعداد المتزايدة من المواطنين غير الراضين. وعندما جرى الضغط عليه من أجل القيام برد فعل على التوترات الحالية، أصدر وزير الدفاع المصري عبدالفتاح السيسي بياناً بدا أنه يأخذ جانب الحكومة والمحتجين في الوقت نفسه. ولم يؤيد السيسي قيادة مرسي، لكنه حث المحتجين على العودة إلى منازلهم من أجل الدولة.
ولأن الجيش يوحي بالتجرد، اقترح البعض مثل القيادي بالمعارضة دكتور محمد البرادعي، وجوب أن يرعى الجيش حكومة وحدة وطنية. ومع ذلك، يبدو من غير المرجح أن يتدخل الجيش. والتراجع عن نتائج الانتخابات الأكثر تنافسية في تاريخ مصر، حيث كانت نسبة الحضور 52% من السكان، يمكن أن يشعل حالة من الغضب واسعة الانتشار. وعلى نحو مماثل، الجيش ليس قوياً بما يكفي ليحكم. وبالكاد تمكن من النجاة دون المساس به في المرة الأولى التي تدخل بالسياسة الوطنية. بالإضافة إلى ذلك، لا يريد الجيش أن يكون تحت الأضواء. وقادة الجيش مسرورون بممارسة السلطة سراً، فيما يتحمل مرسي الضغوط بالعلن. إلى جانب ذلك، فإن الجيش مسرور بمواد الدستور الجديدة التي وسعت نطاق نفوذه.
والانتفاضة التي بدأت منذ سنتين لم تصلح جهاز الدولة أو قواتها الأمنية. لكنها بلا شك غيرت السكان، والمصريون لن يتحملوا بعد الآن سلوكاً أو ممارسات على مثال ممارسات مبارك القديمة، ونادراً ما تتاح الفرصة للانتقام من الشرطة على تجاوزاتها الماضية والحالية دون أن تغتنم. والتظاهرات حول قضايا لا علاقة لها بهذا الأمر تتصاعد بسرعة إلى معارك مع الدولة. ومن جهتها، تصبح الشرطة محبطة علناً من كف المواطنين عن الخشية منها، وهذا يدفع الضباط إلى قمع المحتجين بمزيد من العنف، ما يغذي جولات من العنف المتصاعد.
وتحتاج الأجهزة الأمنية إلى الحل وأن يعاد بناؤها بشخصيات جديدة. كما تحتاج إلى أن تكون تحت قيادة مدنية، وإلى تدريب قانوني على حقوق الإنسان وحظر التعذيب. وطالما بقيت قوة الشرطة غير الخاضعة للإصلاح مسؤولة عن الرد على المحتجين، فإن سفك الدماء سيستمر. وفي غضون ذلك، فإن غياب التغيير والتقدم السياسي يجعل الثوريين يشعرون بأن سبل المشاركة والإصلاح بشكل سلمي وديمقراطي محظورة.
يبقى مسؤولو الدولة المنتخبون حزبيين وضعفاء، وتبقى المعارضة الرسمية مشرذمة، فيما يستمر جهاز الدولة في العمل بعقلية قديمة الطراز. وهكذا، يستمر المصريون في الاحتجاج في الشوارع.
سبل التهدئة
على الرغم من أن الاحتجاجات الأخيرة في مصر اتسمت بالتخريب، إلا أنها لم تهدد بإسقاط حكومة الرئيس المصري محمد مرسي. ومصر ليست على شفير الانهيار، ومثل هذه النتيجة غير مرجحة حتى لو دام العنف. وعدد التظاهرات مرتفع، لكنه لا يصل إلى مستوى الكتلة الحرجة التي تجمعت خلال فترة الـ18 يوماً من التعبئة وتوجت بسقوط الرئيس المصري السابق حسني مبارك. ومع ذلك، تحتاج الحكومة إلى إجراء تغييرات مهمة لتهدئة التوتر.
