الرسالة الأخطر التي أرسلتها كوريا الشمالية، أخيرا، في اختبارها الثالث لسلاح نووي، هي أن الأسلحة النووية معروضة للبيع. وأهمية هذا الاختبار لا تكمن في تحدي زعيم كوريا الشمالية كيم يونغ-أون لمطالب المجتمع الدولي، ففي أوساط السلطة في بيونغ يانغ، يشكل الاستفزاز الناتج عن تجاوز الخطوط الحمراء المرسومة من قبل الغير من عملية انتهاكها أمراً أكثر جاذبية.
استخدام اليورانيوم
لكن الأهمية الفعلية تكمن في أن هذا الاختبار كان وقوده على الأرجح اليورانيوم عالي التخصيب بحسب تقديرات المسؤولين الأميركيين، وليس البلوتونيوم الذي خدم كنواة للاختبارات السابقة لكوريا الشمالية. واختبار قنبلة تعتمد على اليورانيوم سوف يشكل إعلانا للعالم، بمن في ذلك المشترون المحتملون، أن كوريا الشمالية تشغل الآن خط إنتاج جديداً غير مكتشف لمواد قابلة للاستخدام في الأسلحة.
والاستفزاز الأخير لكوريا الشمالية يجب أن يذكرنا أيضا بحدود السياسات الغربية التي تقودها أميركا، والتي تركز على "عزل" بيونغ يانغ. لكن مثل هذه السياسات لا تعزلنا عن عواقب تحركات كوريا الشمالية. على مدى عقد من الزمن، كان انتباه صناع السياسات في أميركا مستهلكا في أماكن أخرى. وخلال تلك السنوات، كان المسؤولون الأميركيون يعتقدون أن كوريا الشمالية حصلت على ما يكفي من البلوتونيوم لصنع ترسانة أسلحة من 6-10 قنابل نووية، بحسب حجمها، وهي الآن على الأرجح تنتج ما يكفي من اليورانيوم عالي التخصيب لإنتاج مزيد من القنابل في كل عام.
والأسلحة النووية يمكن صنعها من عنصرين فقط: وهما اليورانيوم عالي التخصيب، والبلوتونيوم. ولا ينشأ أي منهما في الطبيعة. وإنتاج ما يكفي من أي من الوقودين لصنع قنبلة يتطلب مرفقا صناعيا مهما.
وكوريا الشمالية أنتجت مخزونها من البلوتونيوم من مفاعلها "يونغبيون"، لكن هذا المصنع أغلق في عام 2007 خلال فترة من المباحثات الدولية المثيرة للتفاؤل حول الحد من برنامج الأسلحة النووي. وكانت بيونغيانغ حينها قد قلصت عتادها بقنبلة واحدة مع اختبارها عام 2006، وفي عام 2009 وظفت قنبلة ثانية في اختبار ثان. وكنا نأمل أن ستستمر في إجراء اختبارات تعمل بوقود البلوتونيوم إلى أن يزول مخزونها منه.
وهذه الأرقام يحسب لها وزن كبير في افتراض أميركي أكثر واقعية يفيد بأن كوريا الشمالية من شأنها أن تستخدم وقود اليورانيوم في اختبار ثالث، بدلاً من استنزاف مخزونها المحدود من البلوتونيوم.
مصنع غير مكتشف
منذ سنتين، كشفت كوريا الشمالية النقاب عن واجهة مصنع تخصيب لليورانيوم في يونغبيون قادر على إنتاج ما يكفي من اليورانيوم عالي التخصيب لإنتاج عدد من القنابل النووية سنويا. مع ذلك، لا يوجد دليل على أن هذه الواجهة أصبحت تعمل. وبالتالي يعتقد الخبراء الأميركيون أنه لا بد أن يكون لبيونغيانغ مصنع مواز لا زال غير مكتشف يعمل منذ سنوات عدة. وهذا المصنع قد يكون بإمكانه الآن صنع عدة قنابل من اليورانيوم عالي التخصيب.
وإدارتا الرئيسين الأميركيين جورج بوش وباراك أوباما حذرتا مرارا نظام كوريا الشمالية من أنه لا يمكنه بيع أسلحة نووية ومواد وتكنولوجيا من دون "محاسبته بالكامل".
هل يمكن أن يكون كيم الأصغر قد تخيل أن بإمكانه الإفلات ببيعه سلاحا نوويا أو مواد تصنع القنابل؟ التحدي الملح هو إقناعه وإقناع منقذ هذا النظام، أي الصين، بأن كوريا الشمالية سوف تحاسب عن كل سلاح نووي من منشأ كوري شمالي.
ويجب أن يرسل أوباما رسالة مباشرة وواضحة إلى كيم، مع نسخة كربونية إلى القيادة الصينية في بكين، يحذر فيها من أنه في حال انفجرت قنبلة نووية من منشأ كوري شمالي على التراب الأميركي أو على تراب حليف لأميركا، فإن أميركا سترد بالتحديد كما لو أن كوريا الشمالية نفسها قد ضربت أميركا بصاروخ ذي رؤوس نووية. وتحذير قوي لا لبس فيه، مدعوم بتهديد ذي مصداقية باستخدام قوة متناسبة، يشكل الضمانة الوحيدة بأن يسمعه حتى الكوريون الشماليون المنعزلون المتقدون حماساً.
بيع يورانيوم
الاستنتاج القائم هو أن لكوريا الشمالية الآن محصولاً نقدياً جديداً، وهو محصول يسهل تسويقه أكثر من البلوتونيوم. واكتشاف اليورانيوم عالي التخصيب أصعب لذا يسهل تصديره، كما أن إنتاج قنبلة منه يعد أكثر سهولة. ونموذج القنبلة بوقود اليورانيوم التي سقطت على هيروشيما في عام 1945 كانت بسيطة جدا، وتصميمها كان يمكن الاعتماد عليه، إلى حد أن أميركا لم تشغل نفسها في إجراء اختبار واحد له قبل استخدامه.
لكن مع ذلك قتلت هذه القنبلة أكثر من 100 ألف نسمة. وكما وصف وزير الدفاع الأميركي السابق روبرت غيتس الوضع، فإن التاريخ يظهر أن الكوريين الشماليين "يبيعون أي شيء لديهم لكل من يملك المال لشرائه". ولقد حدد الرئيس الأميركي باراك أوباما بحق أن الإرهاب النووي هو "التهديد الوحيد الأكبر على الأمن الأميركي". فإذا تمكن الإرهابيون من تفجير قنبلة نووية واحدة في مدينة أميركية في المستقبل القريب، فإن هناك احتمالاً جدياً أن يكون أساس السلاح قد أتى من كوريا الشمالية.
