اختبار كوريا الشمالية النووي، أخيرا، له ما يؤهله ليكون حدثا تاريخيا، إلا إذا جهزت واشنطن وسيؤول إمكانياتهما ووجهتا ضربة قوية، لكن غير عسكرية، لنظام زعيم كوريا الشمالية كيم يونغ أون.
تفجير بيونغ يانغ الأخير الذي جاء بعد شهرين من أول اختبار ناجح لإطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات بعد خمس محاولات منذ عام 1998، وما أظهره من تقدم للنظام في مجال تكنولوجيا الصواريخ بعيدة المدى، يدفع هذه الدولة الشمولية نحو قدرات نووية حقيقية دون زيف أو خداع. ويصاحب هذا التطور القدرة على استفزاز جاراتها مع التمتع بالحصانة، وعلى انتزاع الأموال والوقود والشرعية السياسية، وحتى التنازلات على صعيد القوات العسكرية وجهوزيتها لكل من أميركا وكوريا الجنوبية. ويشكل اختبارا نوويا آخر، لا سيما لقنبلة تعتمد على اليورانيوم، نقطة تحول مهمة.
الردع غير العسكري
ويتعين على الرئيس الأميركي باراك أوباما ورئيسة كوريا الجنوبية المنتخبة بارك جيون-هاي أن يقرا بفشل سياسة الحوار المتقطع والحفاظ على الوضع القائم. وكانت واشنطن وسيؤول لفترة طويلة تمتلكان صيغا ضبابية حول "الاسترضاء أو الحرب"، وقد حرما نفسيهما على نحو فعال من امتلاك رادع غير عسكري يحظى بمصداقية، في حال استمرت بيونغ يانغ في تهديداتها الخارجية وقمعها الداخلي.
ويجب أن تستهدف واشنطن وسيؤول نقاط الضعف الأشد لبيونغ يانغ، والمتمثلة في الاعتماد الزائد لنظام كيم على "الاقتصاد المركزي الموجه الذي يعيد توزيع الثروة من القصر إلى عامة الناس الذين يعيشون على الكفاف"، وقمعه المنهجي لشعبه من خلال شبكة معسكرات عمل واسعة وقوة شرطة سرية منتشرة في كل مكان.
وتحافظ شبكة دولية من المسؤولين العاملين في الخفاء ومن المصارف والشركات الزائفة، على العائلة الحاكمة والأجهزة الأمنية داخل كوريا الشمالية، على الرغم من انهيار الاقتصاد الوطني للبلاد منذ حوالي 20 سنة مع خسارة الدعم السوفييتي، وهذه الشبكة تعزز من اعتماد النظام على الابتزاز النووي والإيرادات غير المشروعة. والاعتماد الزائد للنظام على مثل هذه التعاملات المالية يجعله ضعيفا بشكل خاص أمام الأدوات الأميركية، المصممة خصيصا لمحاربة غسل الأموال على المستوى الدولي. وكانت لواشنطن دائما وسائل لفرض التدابير المالية التنظيمية ضد نشاطات كوريا الشمالية غير المشروعة ونشرها لأسلحة الدمار الشامل، لكن كانت تنقصها الإرادة السياسية للقيام بذلك.
وينبغي أن يعمل المسؤولون الأميركيون على تعزيز العقوبات فوراً ضد المصارف والشركات والأفراد في كوريا الشمالية الذين يمولون النشاطات غير المشروعة لبيونغيانع أو يساعدون النظام على تذويب وإخفاء مداخيله من السوق السوداء في إطار التجارة "المشروعة". وفي سبيل هذا الهدف، يتعين على وزارة الخزانة الأميركية أن تصنف حكومة كوريا الشمالية باعتبارها "مصدر قلق رئيسي لغسل الأموال" وفقا للبند 311 من قانون "باتريوت".
وهذا من شأنه أن يسمح للوزارة بالطلب من المصارف الأميركية اتخاذ تدابير وقائية ضد كل الكيانات والحكومات الخارجية التي ترتبط بالدولة المستهدفة بالعقوبات. ويشكل منعها من الوصول إلى النظام المالي الأميركي رادعا قويا لها لتمتنع عن مساعدة بيونغيانغ في نشاطاتها غير المشروعة. ويمكن أن يضغط الرئيس الأميركي باراك أوباما على الحكومات الحليفة من أجل تطبيق تدابير مقابلة بحق مصارف دولة أو شركات أو مواطني دولة ثالثة تربط بيونغ يانغ بالمبادلات المالية العالمية.
ومثل هذه التحركات، إذا تم الإبقاء عليها، سوف تعزل بينونغ يانغ عن النظام المالي الدولي، وتشدد الخناق على بعض منابع الإيرادات الرئيسية للنظام. في الوقت نفسه، يتعين على أميركا أن تعلن بوضوح أنها سوف تؤمن مساعدات إنسانية إلى شعب كوريا الشمالية، إذا كان بإمكانها أن تضمن وصول المساعدات إلى المحتاجين.
الضغط على الصين
ولحساسية الوضع، يمكن فرض هذه الإجراءات من دون تعاون الصين أو حتى في وجه ممانعة صينية. بالإضافة إلى ذلك، فإنه بناء على الأمرين التنفيذين 13382 و13551، فإن أميركا بإمكانها تجميد أصول صينية وأصول كيانات دولة ثالثة مشتبه بمساعدتها نشاطات انتشار الأسلحة النووية الخاصة بكوريا الشمالية. وإذا حافظت واشنطن على هذه السياسة العدائية، فان الضغط المتراكم سيقلص على الأرجح مستوى البلبلة الصينية، بل قد يحمل القيادة البراغماتية في بكين على التعاون من أجل حماية سلامة النظام المالي الدولي.
ومثل هذه التدابير، إذا ما تم تعزيزها، تقصي الكيانات الدولية التي تقوض، عن قصد أو غير قصد، العقوبات التي فوضتها الأمم المتحدة. وهذا التهديد الحقيقي، وما يصاحبه من عواقب وخيمة على نظام كيم، سيعطي الدبلوماسيين الأميركيين والكوريين الجنوبيين القوة لضمان التوصل إلى اتفاق لنزع السلاح النووي يمكن التحقق منه، إلى جانب منحه مثبطات لبيونغ يانغ أمام أي مقاربة لمباحثات نزع السلاح النووي بنوع الخداع المتعمد الذي أظهرته على مدى السنوات العشرين الماضية.
وكلما زاد إقرار المجتمعات الديمقراطية بأن نظام كوريا الشمالية هو تهديد للإنسانية، وليس مجرد فكرة تجريدية عنه، قل المجال المتاح لقادتهم باللجوء إلى تدابير ذات نفعية سياسية فيما يتعلق بالاستفزازات المستقبلية من قبل بيونغ يانغ، أو تأجيل إعادة توحيد كوريا إلى أجل غير مسمى. وفي مواجهة تلك الاستراتيجية ذات الشقين، سيلجأ نظام كيم على الأرجح قريبا إلى المزيد من الاستفزازات. لكن مع الوقت، فإن الأكثر ترجيحا انه سيخضع للضغوط بدلا من الهجوم بكل قوته العسكرية، ذلك أن قيادة كوريا الشمالية لا تتمتع بأي دوافع انتحارية.
ردع فعال
يتعين على الرئيس الأميركي باراك أوباما ورئيسة كوريا الجنوبية بارك جيون-هاي أن يدركا أن الردع الذي يتمتع بالمصداقية هو الذي سيجبر بيونغ يانغ على التفاوض بحسن نية لنزع السلاح النووي، وسيخفف ولو بدفعات تدريجية، سيطرتها الشمولية على شعبها. وكلما كان التهديد ضد نظام كيم الذي يعاني من ضائقة مالية أسرع وأكثر وضوحا، وكلما زاد انكشاف وضع الكوريين الشماليين المسحوقين للعالم الخارجي ، أصبح تحول كوريا الشمالية لدولة اكثر أمانا وإنسانية واقعا فعليا.
