كان مسار ليبيا من النظام الأوتوقراطي الوحشي إلى الديمقراطية الوليدة مسارا سريعا، لكن ما زالت أمام البلاد طريقا طويلة، وكثير من الناس خارج ليبيا لا يقرون أو يقدرون مقدار صعوبة التحديات التي تواجه البلاد.
كانت قد مضت سنتان فقط على انبعاث الربيع العربي وبدء الانتفاضة الليبية في 17 فبراير 2011، عندما تسرع عدد كبير من المعلقين في الولايات المتحدة وأوروبا في الحكم على النتيجة النهائية لهذه الثورات. لكن تصريحات تتسم بالمبالغة حول فشل الربيع العربي أو نجاحه ما زالت سابقة لأوانها وغير مفيدة.
وقبل اطلاق الأحكام على المنطقة، لنلقي نظرة على دول أوروبا الوسطى والشرقية، وتقدمها نحو الديمقراطية في مرحلة ما بعد الفترة السوفييتية. أين كانت تلك الدول قبل سنتين من سقوط جدار برلين؟ كانت في حرب في يوغوسلافيا، ولا تزال تصارع للإطاحة بالنظام في الاتحاد السوفيتي. وعلى الرغم من الروابط الوثيقة التي تتمتع بها كثير من تلك الدول مع أوروبا الغربية، فإن عددا من اقتصاداتها وحكوماتها يبقى في وضع متغير باستمرار إلى يومنا هذا. وبعد أكثر من عشرين سنة، يبقى السؤال عما إذا كان "الربيع الشرقي" يمثل نجاحا محضا دون جواب.
أوجه الاختلاف
وهناك أمور مهمة يمكن أن يؤمنها أصدقاء ليبيا في كل من أميركا وأوروبا لتسريع تطورها نحو الديمقراطية والازدهار. أولها هو ادراك انه لن تكون هناك حلول بين عشية وضحاها.
وثورة ليبيا تختلف عن ثورتي تونس ومصر بطرق مهمة:
أولا، انعتاق ليبيا من الدكتاتورية تطلب حربا ممتدة ودموية.
ثانيا، في كل من تونس ومصر، خلع الربيع العربي رئيس الدولة، لكنه ترك المؤسسات الحكومية الرئيسية دون مساس. لكن في ليبيا، فإن جهاز الدولة الحيوي هذا بالكاد كان موجودا تحت نظام الرئيس الليبي السابق معمر القذافي.
ولهذا السبب، فان ليبيا الجديدة لديها قطع أقل للعمل بها في عملية بناء بنية حكم تحتية فعالة.
وأخيرا، في كل من مصر وتونس، فإن جيشين وطنيين قويين بقيا لحماية سيادة الدولة.
لكن حتى اليوم، لا زال ينقص ليبيا حكومة مركزية فعالة، إلى جانب جيش وطني وقوة أمن محلية لحماية الحدود والمدن. بالإضافة إلى ذلك، تركت الثورة السكان المدنيين مسلحين حتى العظام ومترددين جدا حيال التخلي عن أسلحتهم.
وعلى الرغم من كل هذا، فإن ما يفترض أن يفاجئ المراقبين ويشجعهم هو أن معظم ليبيا تبقى آمنة نسبيا من أجل مضي الناس في حياتهم اليومية.
وتقريبا كل سكان ليبيا البالغ عددهم 6.4 ملايين نسمة هم من العرب المسلمين وبالتحديد من السنة. والعدد السكاني القليل المتجانس إلى جانب الروابط الاجتماعية القوية في ليبيا ( والعائد إلى حد بعيد للتأثير الإيجابي للبنية القبلية في ليبيا)، يزيل عمليا إمكانية تردي ليبيا إلى صراع طائفي.
مؤشرات إيجابية
وكإشارة على التقدم، فقد وقف 80% من الناخبين المؤهلين في الصف السنة الماضية لانتخاب حكومتهم المحلية ومؤتمر طرابلس الوطني، وذلك للمرة الأولى منذ أكثر من 40 عاما.
وفي 8 أغسطس الماضي، وفيما دموع الفرح تنهمر من عيونهم تم الانتقال السلمي للسلطة من المجلس الوطني الانتقالي إلى المؤتمر الوطني المنتخب حديثا، وهو الأول بالنسبة لليبيا.
وعملية بناء ليبيا المستقرة سياسيا والمزدهرة اقتصاديا ستكون عبارة عن مسار طويل. وكان كثيرون من خارج ليبيا قد ساهموا إلى حد بعيد في بناء دولتنا الوليدة.
وليس لدى ليبيا احتياطات هائلة من النفط والغاز فقط، بل إنها تجلس على مكامن من الثروة المعدنية غير المستغلة أيضا، وتتمتع بواحد من الشواطئ الأطول والأقل استغلالا في البحر المتوسط. وموقعها الجغرافي الاستراتيجي يعني أن ليبيا مهيأة على نحو فريد لتكون رابطا مهما بين أوروبا وأفريقيا. والاستفادة من تلك الموارد الهائلة لنمو الاقتصاد الليبي وتنويعه سوف تسمح للأمة بأن تصبح قوة هائلة للاستقرار والازدهار في شمال إفريقيا.
ويدعم الاقتصاد الليبي مليوني عامل مصري تقريبا، وتسخير موارد جديدة للدخل سوف يسمح لاقتصادنا في النظر غربا إلى تونس التي تملك خزانا من العمالة الماهرة العاطلة عن العمل.
لنبدأ بالأهم
لكن لنبدأ بالأهم. فإن تحقيق الأمن والاستقرار السياسي هو شديد الأهمية ليتسنى لليبيا تحقيق إمكانياتها الاقتصادية. وعلى تلك الجبهتين، فان أميركا وأوروبا بإمكانهما أن يساعدا من خلال توفير إمكانية الوصول إلى تجربتهما الغنية ومهاراتهما الفنية.
وفي سبيل ضمان أمن ليبيا، نحتاج إلى إيجاد أمن داخلي فعال، وقدرات دوريات على الحدود بأسرع ما يمكن. وبناء هذه القوات من الصفر سوف يستغرق كثيرا من الوقت، مما يطيل أمد العنف الكامن في ليبيا.
على الجبهة السياسية، تبدأ ليبيا أيضا من الصفر. وديمقراطية شاملة مستقرة أمر غير ممكن من دون مؤسسات مدنية وسياسية قوية تسمح لكل الليبيين في أن يكون لهم صوت في مستقبل بلادهم.
ونظرا لمنع الرئيس الليبي السابق معمر القذافي لأي شكل من أشكال التنظيم السياسي أو المدني، فإنه لدينا خبرة محدودة في إيجاد تلك المؤسسات، فكيف بالمشاركة فيها. ومجددا، الخبرات التي أسست الديمقراطيات يمكن أن تدفع ليبيا في طريق المجتمع المستقر والحر. وهناك آية في القرآن الكريم تلتقط بشكل جميل التحديات التي تواجه ليبيا اليوم: "الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ". وفي أبسط صورة، هذا ما يفترض أن تبحث عنه ليبيا، ألا وهو السلام والأمن والازدهار.
تحقيق الوعد
سعي ليبيا لا يختلف عن جيرانها في الربيع العربي أو باقي الإنسانية. الجميع يسعى إلى وعد يؤمن لهم الأمن ولقمة العيش. وبالعمل الجاد، والنوايا الحسنة، والمساعدة من أصدقاء ليبيا، يمكن تحقيق هذا الوعد.
والشعب الليبي دفع ثمنا باهظا من أجل حريته ويأمل الأن بإيجاد دولة مستقرة تقبل بالمجتمع الدولي وتساهم في هذا المجتمع عموما. وهذا بالتأكيد هدف يستحق الصبر من أصدقائها.
