يبدو أن لا أحد يولي الانتباه المناسب للتراجيكوميديا الجارية حاليا في باكستان، بعد أن سرق العنف القاتل في مالي والجزائر كل الاهتمام.
لكن هذا الأمر له أهميته لأن الأحداث الأخيرة تظهر باكستان على أنها دولة فاشلة تماما، لكنها أيضا دولة تملك أسلحة نووية. وباكستان تسقط في الهاوية. ففي أي بقعة أخرى من العالم يمكن أن يجذب رجل دين متشدد يعيش في كندا عشرات الألوف من المشجعين لمسيرة تدعو إلى حل الحكومة، وهو يتحدث من داخل حاوية شحن وراء نافذة مضادة للرصاص؟
وهذه الحادثة واحدة من سلسلة أمور عبثية تجري هناك. وتأتي بالتزامن مع ذلك الجولة الأخيرة للخصومة الحادة غير القابلة للحل بين الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري والمحكمة العليا التي تمضي في محاولة إسقاطه منذ سنوات. منذ حوالي سنتين، أمرت المحكمة رئيس الوزراء حينها، يوسف رضا جيلاني، بفتح تحقيق بالفساد ضد زرداري، وكأن الباكستانيين لا يدركون أصلا أن زرداري، مثل معظم مسؤولي الحكومة الآخرين، كان فاسدا تماما.
الرفض المستمر
وأمرت المحكمة جيلاني أن يطلب من المسؤولين السويسريين وثائق متعلقة بإدانة زرداري غيابيا باتهامات بغسل أموال منذ عشر سنوات. ورفض جيلاني الانصياع لهذا الطلب، مشيرا إلى أن الرئيس الباكستاني يفترض أن يكون في مأمن من الملاحقة القضائية. ولقد عبرت المحكمة عن ازدرائها لموقفه.
وأكد أحد قضاة المحكمة أن: "الانصياع لأمر المحكمة ليس لعبة شطرنج أو لعبة غميضة". وبعدها بفترة وجيزة، أجبرت المحكمة جيلاني على الاستقالة. ولقد تولى المنصب مكانه وزير تكنولوجيا المعلومات رجا برويز أشرف. وعلى الفور تقدمت المحكمة بالطلب نفسه: ساعدنا في تقديم اتهامات فساد ضد زرداري, واحصل على تلك الوثائق السويسرية.
وقاوم رئيس الوزراء الجديد الطلب أيضا، ألم يكن هذا الأمر متوقعا: الآن تحاول المحكمة العمل على تنحيته، متهمة إياه بالفساد. ويبدو الأمر أشبه بالفكاهي، لكن كل هذا على ما يبدو شل الحكومة غير الفعالة والعاجزة أصلا.
وأخيرا، وُجد ضابط من وكالة مكافحة الفساد التابعة للدولة الذي كان يحقق في ادعاءات ضد أشرف مشنوقا في ثكنته. ولقد أطلقت الشرطة الباكستانية على هذه الحادثة وصف عملية انتحار. إنه توقيت مناسب بشكل فظيع. وفي غضون ذلك، ردد ألوف من المحتجين في شمال غرب باكستان شعارات مناوئة للحكومة، وعرضوا جثث 15 قرويا، متهمين قوات الأمن بإطلاق النيران عليهم في منازلهم.
المصير المجهول
لم تعلق وكالة الأمن الرئيسية المتمثلة بجهاز المخابرات الباكستاني الذي يلفه الغموض، "آي إس آي" على الأمر، لكنها ردت في النهاية على استفسار من المحكمة حول مصير سبعة رجال اعتقلوا في عام 2007. وطلبت المحكمة اطلاق سراحهم. لكن الرجال السبعة اختفوا بكل بساطة.
وأخيرا أقر محامي جهاز المخابرات الباكستاني "آي إس آي" "بغياب الأدلة التي تجرم" الرجال السبعة، لكنه مضى ليفسر بأن اعتقالهم تم "لأسباب أخلاقية".
ولقد رد رئيس المحكمة العليا افتخار محمد تشودري على هذا قائلا أن جهاز المخابرات الباكستاني "آي إس آي" لا يمكنه احتجاز المشتبه بهم لأجل غير مسمى وبشكل غير قانوني، لا سيما بناء على ما أطلق عليه "أسباب أخلاقية". ولقد اتهمهم تشودري قائلا: "أخلاقيا، يمكنهم وضع من يريدون وراء القضبان، وهذا الأمر يشملني، فبالنسبة لهم، فإن جميع الناس مذنبون". لكن على الرغم من سنوات من الانتهاكات الشائنة، فإنه لم تحاول لا المحكمة ولا أي شخص آخر في الحكومة كبح جماح وكالة التجسس الجاحدة.
ولماذا على العالم أن يهتم لأي من هذا؟ ففي النهاية، باكستان ليست الدولة الفاشلة الوحيدة في العالم. لنفكر في الصومال والسودان وهايتي وزيمبابوي. لكن هل تلقت أي من تلك الدول أكثر من 12 مليار دولار من المساعدات من واشنطن على مدى العقد الماضي، مع دفعات بقيمة 688 مليون دولار الآن قبل انعقاد الكونغرس الذي ينتظر موافقته المؤكدة؟
الدولة الفريدة
وهل تملك أي من الدول الفاشلة الأخرى، مثل أفغانستان وتشاد ونيجيريا وأوغندا، أسلحة نووية؟ لا. فباكستان هي الدولة الوحيدة التي تملك تلك القنابل، وبتمرد حيوي عازم على إسقاط حكومة غير فعالة على نحو عبثي. ولا يغيب عن الأذهان أن كبار قادة القاعدة يعيشون هناك أيضا، ومعظمهم يقيم عند الحدود الشرقية لباكستان. وبالطبع، زعيم القاعدة أسامة بن لادن أقام هناك أيضا، دون أن يزعجه أحد على الإطلاق، إلى أن قامت القوات الأميركية بقتله في عام 2011.
وإذا ما نجحت حركة طالبان يوماً في إسقاط الحكومة، فانه من شبه المؤكد استيلاؤها على الأسلحة النووية، وهذا احتمال مرعب.لكن حتى الآن يبدو أن مسلحي حركة طالبان المسؤولين عن الفوضى القائمة وعن سقوط ألوف القتلى في الأوقات الأخيرة، يتفرجون ويراقبون ما يجري، فيما تعلو وجوههم الابتسامات على الأرجح. ويتمثل هدفهم في زعزعة استقرار الدولة، لكن يبدو واضحا تماما بأن الحكومة القائمة تتقن زعزعة الاستقرار أفضل منهم الآن.
كاتب بارز
أمضى جويل برينكلي23 عاماً من مهنته مع صحيفة "نيويورك تايمز" حيث خدم كمراسل ومحرر ومراسل أجنبي.
بدأ عمله مع وكالة "أسوشييتد برس" في 1975، وفي عام 1979 سافر إلى كمبوديا لتغطية سقوط نظام بول بوت وأزمة اللاجئين، ففاز بجائزة بوليتزر كمراسل أجنبي في عام 1980.
خلال ال30 سنة الأخيرة، عمل برينكلي في أكثر من 50 دولة أجنبية. ولقد فاز بعدد كبير من الجوائز. وله بضعة مؤلفات. وهو يتولى الآن منصب أستاذ مقيم في جامعة ستانفورد، حيث يكتب عمودا صحافيا أسبوعيا حول السياسة الخارجية منذ عام 2007.
