يتسم الكلام بأهمية خاصة لاسيما بعد عقد من التدخل الغربي في الدول الإسلامية، وبالتحديد عندما يأتي هذا الكلام على لسان رئيس وزراء بريطانيا ديفيد كاميرون. ولقد اعتقدنا أنه في أعقاب تاريخ من الفشل المتكرر، سيختار كاميرون كلماته بعناية في أعقاب الهجوم على مصنع الغاز الجزائري. والمبدأ الموجه لأي رد على التشدد الإسلامي، أكان غربيا أو إقليميا، يفترض أن يكون واضحا الآن، ويتمثل في عدم جعل التشدد أسوأ مما هو عليه، وعدم التحدث عن الحروب الدولية والتهديدات الوجودية لـ"أسلوب حياتنا"، والصراعات التي بإمكانها أن تدوم لعقود من الزمن وتنتشر إلى قارات جديدة.
من الغزوات التي تشعل الحروب الأهلية، وصولا إلى عمليات مكافحة الإرهاب التي تتخبط فتتحول إلى عمليات مكافحة التمرد، فإن الحماقتين المؤديتين إلى توسيع ساحة المعركة وتضخيم صفوف المقاتلين المحتملين قد اتضحتا في النهاية. وكان من المتوقع بعد سنوات عدة من الحروب غير المثمرة، أن يقف رئيس وزراء بريطاني موقف المعارض من مفهوم صدام الحضارات.
تغيير الاتجاه
لكن الرد الفارغ المضمون لكاميرون على الهجوم الجزائري عكس بجلاء صدى الاستعارات من حقبة بوش. ولقد تراجع كاميرون في رده الثاني بسرعة وبحكمة عن هذا الموقف في بيان لمجلس العموم، حيث تحدث بدلا من ذلك عن نهج صارم وذكي ومتأن. أقر بوجود جماعات متمردة مختلفة في شمال إفريقيا، لا تتلون بالأيديولوجية نفسها وتتبع قيادات وأجندات محلية، واعترف بالدور الذي يلعبه غياب الحكم والشرعية والمساءلة في إشعال هذه الصراعات، وبالدور الأساسي الذي ستلعبه السياسة والوساطة في عزل الجماعات التي شنت الهجوم أخيرا. وسوف ننتظر ونرى أيا من النهجين سوف تكون له الغلبة.
والفشل المستمر لتنظيم القاعدة في تحقيق أهدافه في العالم الإسلامي هو فشل سياسي ،وليس فشلا عسكريا، فإذا تحول المد ضد تنظيم القاعدة وفروعه، فإن هذا يعود إلى تحول السكان المحليين في العراق والأردن وتركيا وإندونيسيا ضده. وإذا كانت الإطاحة بالدكتاتوريات العربية المدعومة من الغرب، التي عمل تنظيم القاعدة باجتهاد في سبيلها، قد أنتج ائتلافات بقيادات إسلامية تنبذ العنف، وتكسب شرعيتها من صناديق الاقتراع وتتبنى التعددية الدينية، فإن هذا يعود إلى كون السلاح الأمضى لتنظيم القاعدة، وهو أيديولوجيته، قد جاء بنتائج عكسية على أرض الوطن، وعمل على تنفير المزيد من المسلمين مما فعلت التدخلات الأجنبية.
حالة الاغتراب
حيثما نجحت عمليات مكافحة الإرهاب، كان ذلك يحدث من خلال زيادة حالة الانسلاخ والنفور التي خلقتها أساليب القاعدة.
ويتردد قرب الحدود الجزائرية، في كل من مالي والنيجر، صدى أصوات الطائرات الموجهة عن بعد التي تشغلها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، ومن المفيد الخروج ببعض الاستنتاجات الواضحة: تبقى مالي نقطة الارتكاز، وخطر الأزمة الحالية كان قد أشار إليه أولئك الذين علموا بمدى أهميتها للمنطقة. ويحتاج اللاجئون المشردون في الداخل إلى حماية من انتقام الثوار، ويجب الضغط على زعيم الانقلاب أمادو سانوغو للتنحي وتشكيل حكومة شرعية مؤقتة.
كما ينبغي جمع قوة حفظ سلام من غرب إفريقيا بشكل عاجل. وفي مراكز المدن الرئيسية في غاو وتبمكتو وكيدال، يتعين إجراء استفتاء حول الوضع المستقبلي للمنطقة، ويجب أن لا يسمح لعملية إعادة الاستيلاء على الشمال بالتحول بشكل سيء إلى هجوم انتقامي لهزائم الجيش المالي السابقة. والمدنيون من الطوارق يجب عدم الخلط بينهم وبين الثوار أو الجماعات الإسلامية.
ويعد هذا الوقت المناسب في تعزيز هذه الرسائل، حيث يحتاج الجيش المالي إلى دعم فرنسا والأمم المتحدة على الجبهة الأمامية. والتدخل الإفريقي يحتاج أيضا إلى فرض تقييد كبير على الجيش المالي، كثمن لمساعدته في هزم عدو متشدد.
وخطر الرد بالطائرات الموجهة عن بعد أصبح واضحا للعيان، ذلك أن صفوف المتشددين يمكن تعبئتها بسهولة عندما تنتشر نيران الصراع، والحد من انتشار تلك النيران يتطلب ردا مختلفا. ويبقى أن نرى الأخطاء المرتكبة بحق الصوماليين والأفغانيين والعراقيين واليمنيين التي يبدو أن المجتمع الدولي على استعداد لتكرارها في مالي.
نتائج عكسية
الفشل المستمر لتنظيم القاعدة في تحقيق أهدافه في العالم الإسلامي هو فشل سياسي ،وليس فشلا عسكريا، كما ادرك ذلك زعيم تنظيم القاعدة السابق أسامة بن لادن بنفسه. كانت القضية عالمية إلى حد بعيد، وأضعفتها الخصوصية المحلية على نحو مميت.
فإذا تحول المد ضد تنظيم القاعدة وفروعه، فإن هذا يعود إلى تحول السكان المحليين في العراق والأردن وتركيا وإندونيسيا ضده. وإذا كانت الإطاحة بالدكتاتوريات العربية المدعومة من الغرب، التي عمل تنظيم القاعدة باجتهاد في سبيلها، قد أنتج ائتلافات بقيادات إسلامية تنبذ العنف، وتكسب شرعيتها من صناديق الاقتراع وتتبنى التعددية الدينية، لا سيما في مصر، موطن الزعيم الحالي لتنظيم القاعدة، فإن هذا يعود إلى كون السلاح الأمضى لهذا التنظيم، وهو أيديولوجيته، قد جاء بنتائج عكسية على أرض الوطن. وعمل على تنفير المزيد من المسلمين مما فعلت التدخلات الأجنبية.
