ليس هناك مكان أفضل من مصر لترويج تفسيرات مراوغة للأيديولوجية والديمقراطية، ومصر هي أيضاً مكان جيد يغتال فيه المتشددون رئيس الجمهورية لتوقيعه معاهدة سلام مع إسرائيل، وتكريم الضحية على يد أولئك الذين اغتالوه وللسبب نفسه.

ومصر هي أيضاً مكان تخلت فيه قوى الديمقراطية وحقوق الإنسان عن مهام عملها، ودعت إلى جز فروات رؤوس أولئك الذين تغلبوا عليهم في جولات عديدة من الانتخابات العامة.

الهويات الحقيقية

وقد كشفت ثورة 25 يناير الهويات الحقيقية للقوى الديمقراطية والتيار الديني، فهؤلاء الخصوم الذين تصارعوا طويلاً قد تبادلوا الأدوار مؤقتاً، فالإسلاميون يتباهون بالديمقراطية وبحكم صندوق الاقتراع الذي لا سبيل إلى النزاع فيه، وقد أصبح الإسلاميون، الذين أذهلهم نجاحهم في الانتخابات العامة، بمثابة نمور مستأنسة، وإن كان ذلك بصورة مؤقتة.

ينأى الإسلاميون بأنفسهم بشكل واضح، أو يتخلون عن أعمال العنف والاغتيال والوحشية في المجتمع. وقد أصبحوا ظاهرياً على الأقل متحمسين للديمقراطية وحقوق الإنسان. والصيحات من أجل السلام، وإخراج اقتصاد مصر المدمر من مستنقعه، تتردد أصداؤها في معسكر التيار الديني، وإن كان ذلك على نحو بعيد عن الإخلاص.

من ناحية أخرى، فإن قوى الديمقراطية وحقوق الإنسان التي هزمت في صندوق الاقتراع، تسارع إلى تغيير جلدها، فقد نمت لها أنياب ومخالب طويلة، وتحولت إلى وحوش آكلة للحم، وقفزت بشكل هستيري على أعناق الفائزين بالانتخابات العامة.

وبعد ثورة 25 يناير، ازدهرت الديمقراطية والنزعة الدينية باعتبارها أنشطة أعمال مزدهرة. وفي ما يتعلق برجالات التيار الديني، فإنه كلما زادت أعداد أنصارهم، ازدادت أعمالهم ربحاً، والسياسيون وناشطو حقوق الإنسان لا يتأخرون كثيراً عن منافسيهم في جهودهم من أجل تحقيق الأرباح.

وبينما يحرص رجالات التيار الديني على توسيع نطاق إطلالهم على الرأي العام، فإن القوى الديمقراطية وناشطو حقوق الإنسان يستثمرون مبالغ طائلة في منصات محققة للربح، مثل القنوات الفضائية والصحف. ويقارن الناشطون، الذين يدعون للديمقراطية وحقوق الإسنان في المجتمع، أنفسهم في مجالسهم الخاصة بحماقة، بتجار المخدرات، وهم يحبون أن يطلق الآخرون عليهم لقب «سادة الصحف».

وفي غضون ذلك، فإن المتصدرين للتيار الديني ينهمكون في تنافس محتدم حول أيهم يتاح له تحقيق منصات للإطلال على المجتمع، ويشترك في ذلك الإسلاميون والمسيحيون على السواء.

إدارة ماهرة

لقد اعتادت الأنظمة الدكتاتورية أن تدير بمهارة، ولصالحها، أصوات الداعين للديمقراطية، وكذلك الداعين إلى التيار الديني. وتحت عين الحاكم الفاحصة، فإن أياً من هذين الخصمين لم يكن يتاح له اجتياز الخط الفاصل بينهما. والعلاقة بين الدكتاتور من ناحية، والناشطين السياسيين ودعاة التيار الديني من ناحية أخرى، يمكن في رأي البعض تشبيهها بالعلاقة بين شرطة مكافحة المخدرات، وكبار تجار المخدرات.

وعلى الرغم من أن «أسماك القرش» وتحركاتها معروفة لقادة شرطة مكافحة المخدرات، فإن كبار تجار المخدرات يفلتون على نحو غامض من الاعتقال، ولكن مساعديهم وتجار المخدرات البسطاء، يشكلون على نحو يمكن التنبؤ به أولئك الذين يسقطون في حرب مكافحة المخدرات. وبالمثل فإن «أسماك القرش» في المجال السياسي وبالمنصات العامة، يتمتعون بعلاقات ودية مع الأنظمة السابقة والكوادر الشابة التي اعتادت التردد على السجون.

وليس بالمفاجأة أن بعض الأسماء الكبيرة في جماعة الإخوان لمسلمين والجماعات السلفية، هم من أصحاب الملايين الذين يديرون أنشطة أعمال تقدر بمئات الملايين من الدولارات. ويأتي على رأس هؤلاء حسن مالك وخيرت الشاطر وحازم صلاح أبو إسماعيل ومحمد حسن وغيرهم كثير.

وفي غضون ذلك، تواصل المنتمون إلى التيار الديني الانطلاق قدماً بخطابهم الموجه إلى «أبنائهم» لتشجيعهم على التخلص من متاعبهم بالصمود في مواجهة الحياة اليومية. وعلى هامش هذه المواساة، تستمر عملية تجنيد الكوادر، التي تبدأ ثم لا يعرف أحد لها انتهاء.

 

ثمار الفقر

 

يتابع المراقبون للحياة السياسية في مصر، بمزيد من الدهشة، الحقيقة القائلة إن الكثير من القيادات المنتمية إلى التيار الديني يجمعون ثروات طائلة، بينما لا يترددون في دعوة الناس إلى أن يجدوا الرضا في الفقر، وذلك في بلد يعيش 40 % من سكانه تحت خط الفقر، بحسب تقديرات الأمم المتحدة، ويقال لهم إن عليهم أن يتذوقوا ثمار الفقر المريرة، لأن ذلك جزء من المعاناة التي يتعين عليهم أن يخوضوا غمارها، بل ووصل الأمر إلى حد تهديد أحد قادة الإخوان المسلمين بحرق البطانيات التي ترسلها الجمعيات الخيرية إلى فقراء الصعيد، وذلك بحجة أن هذه البطانيات ترسل من قبل التيارات الليبرالية لشراء الأصوات في الانتخابات المقبلة.