تشكل مناسبة تنصيب الرئيس الأميركي كل أربع سنوات لحظة للتأمل الوطني العميق، وهذه المناسبة تختلف جذريا عن الخطاب السنوي لحالة الاتحاد، حيث تُنحى التفاصيل الجوهرية المتعلقة بالتشريعات والسياسات الحزبية جانبا، كي يتمكن الرئيس من تركيز نظره على حقيقة أسمى.

كانت عظة الرئيس الأميركي الأسبق إبراهام لينكولن تهدف إلى تضميد جراح الأمة بعد الحرب الأهلية الأميركية، وكان تنبيه الرئيس الأميركي الأسبق جون إف كنيدي في " لا تسألوا عما يستطيع بلدكم أن يحققه لكم"، وكانت جرأة الرئيس الأميركي الأسبق فرانكلين روزفلت عشية الكساد العظيم "الشيء الوحيد الذي يجب أن نخاف منه هو الخوف نفسه"، كلها أمثلة ماثلة أمامنا على الدوام.

أما الخطاب الافتتاحي الأول للرئيس الأميركي باراك أوباما فقد صوب عاليا، لكنه وقع، في أغلب الأحيان، في إغراء النقاشات المطولة ذات المحتوى الضعيف.

الخطوات المتدرجة

وبعد أربع سنوات، يواجه أوباما دعوات متجددة لإظهار المزيد من الزعامة، في الداخل والخارج، من خلال عقد صفقة كبرى لوضع أميركا على مسار مالي قابل للاستدامة، وإظهار همة أكبر فيما وراء البحار في منطقة الشرق الأوسط. لكن في أعقاب أربع سنوات على وجوده بمنصب الرئاسة، فإنه يقف أمام الشعب الأميركي بوصفه رئيس الخطوات المتدرجة.

وهذا السجل، على الرغم من أنه يحوي بعضا من النجاحات، إلا أنه يقاس ليس بالقفزات الكبيرة التي وعد بها، بل بالزيادات المتدرجة، بتمرير نسخة مخففة من إصلاح الرعاية الصحية، وبالإشراف على انتعاش اقتصادي سخيف، وبإخراج أميركا من أفغانستان والعراق، وبالنأي عن سوريا وبـ "القيادة من الخلف" خلال الربيع العربي.

وكل هذا لا يصل إلى مستوى برنامج مقنع من أجل الإطناب في الكلام، كما أظهر أداء أوباما الصامت في أغلب الأحيان خلال انتخابات السنة الماضية. فهل سيقدم شيئا اكثر جوهرية في ولايته الثانية؟

المؤشرات الأولى لم تكن مشجعة. وبارقة الأمل بين المفكرين الديمقراطيين بأن أوباما الآن بعد أن تحرر من الحاجة إلى السعي وراء إعادة انتخابه لولاية ثانية، سيعمل على معالجة المواضيع الكبيرة ويخرج من التفاصيل، تبدو أملا متفائلا بشكل صارخ. وكان العالم قد رحب إلى حد كبير بنهاية نزعة التدخل المتهورة من حقبة بوش، لكن التعقل المؤلم لأوباما في بعض الأحيان ترك شكوكا عميقة مكانها.

وترشيحه تشاك هاغل الذي يكره الحروب وزيراً للدفاع، وحديثه عن "نزع كل السلاح النووي" أو الانسحاب الكامل من أفغانستان، أو حتى تأمين دعم أقل للثوار في سوريا لا يبشر بالخير بالنسبة لأولئك الذين يأملون أن يظهر هذا الرئيس المزيد من روح المبادرة على الصعيد الدولي خلال ولايته الثانية.

في الداخل، وعلى الرغم من النجاح المسبب للإحراج في صفقة اللحظة الأخيرة لتفادي الهاوية المالية، فان المشكلات المالية طويلة الأجل لأميركا، التي حذر الرؤساء التنفيذيون في معرض "ديترويت للسيارات"، أخيرا، من أنها ستستمر في تقويض الثقة الطويلة الأمد، لم تقترب من الحل.

وحتى "الصفقة التي لم تكن موجودة أصلا" بين أوباما ورئيس مجلس النواب الجمهوري جون بونر، وصلت إلى 2.5 تريليون دولار في الاقتطاعات والإيرادات على مدى 10 سنوات فقط، فيما هناك حاجة لأكثر من 4 تريليون دولار للبدء في عكس مد الدين المنهك.

وللقيام بذلك سيترتب على أوباما تقديم عرض جدي لتخفيض استحقاقات الرعاية، مما يعني قبل أي شيء الاعتراف بأن التأمين الصحي للمتقاعدين "ميديكير"، لا يمكنه أن يستمر في وضعه الحالي، وفي غضون 15 سنة سيصل إلى نسبة 40% من الإنفاق الفيدرالي للولايات المتحدة. وللأسف فإنه لا يظهر أي نوايا للقيام بذلك.

قيادة سطحية

وفيما يتعلق بقضية تقييد السلاح، فقد اظهر أوباما قيادة سطحية، حاشدا آلته الانتخابية القاعدية لمناشدة الجمهور أكثر من رئيسي الكونغرس، واستراتيجية مماثلة من المقرر المضي بها قدما حول الهجرة، لكن يصعّب رؤية كيفية ترجمة هذه في تشريعات تصب في إطار التيار العام.

وكما هي الحال مع نصره المتبجح بإجباره الجمهوريين على زيادة الضرائب على الأثرياء، فإن أسلوبه الطاغي كان في إطار تسجيل نقطة سياسية ضيقة وحيدة لصالحه. والإعلان عن أن آلة حملته "أوباما من أجل أميركا" ستتحول إلى جمعية تشجيع دائمة لا تتوخى الربح يشير إلى المزيد من الشيء نفسه في المستقبل.

والأمر البارز غيابه، كما كان الحال مع الحزبين خلال الانتخابات، هو غياب استراتيجية أوسع نطاقا لأوباما لإصلاح مشكلات أميركا، حيث لا يوجد إقرار بواقع أن الدولة الأقوى في العالم تجد نفسها الآن عند نقطة محورية على الصعيد المالي والاستراتيجي، من دون رؤية حقيقية حول الكيفية التي تزمع أن تمضي بها البلاد في مواءمة القيم الغربية في ظل قرن آسيوي.

قد تكون هذه هي اللحظة التي يعترف فيها أوباما بالمخاطر التي تواجه الشعب الأميركي وبالعلاجات المطلوبة، كما فعل بطله الرئيس لينكولن عندما تعامل مع قضايا العبودية في فترة تنصيبه لولاية ثانية منذ حوالي 150 عاما تقريبا. بالنسبة لإدائه السابق، مع ذلك، يجب أن نستعد لسماع أنه فشل في تحفيزنا أو إقناعنا.