أدى الرئيس الأميركي باراك أوباما اليمين لولاية ثانية وهو في أعلى شعبية له في استطلاعات الرأي على مدى سنتين. وهو يشعر بوضوح بقوته السياسية ويظهرها، فيما المعارضة منقسمة ولا تتمتع بأي شعبية. والسؤال المطروح هو ما إذا كان سيترك أوباما هذا الافتقار إلى أزمة يذهب سدى.

منذ أربع سنوات خلت، ورث أوباما اقتصاداً متأزماً، فاستخدم هذه الأزمة والأغلبية الكبيرة للديمقراطيين ليفرض تمرير أوسع برنامج ليبرالي على امتداد 40 عاماً. وكان ثمن ذلك حالة من الاستقطاب بين الناخبين، وخسارة لمجلس النواب في عام 2010، إلى جانب تحقيق أبطأ انتعاش اقتصادي منذ عقود. لكنه، مع ذلك، تمكن من الفوز بالانتخاب بولاية ثانية ضد مرشح جمهوري ضعيف، بإلقاء اللوم على من سبقه مجدداً فيما يتعلق بالوضع الاقتصادي.

لا أزمة مباشرة

اليوم لا يواجه أوباما أزمة مباشرة، وهذا يمنحه فرصة مختلفة. لديه فرصة استخدام حكومة منقسمة لوضع الاقتصاد على أساس أكثر ثباتاً، فيما هو يحقق انتصارات نادرة من خلال مساومة بين الحزبين على مشكلات طويلة الأمد، مثل الدين واستحقاقات الرعاية والهجرة وخيار التعليم.

وبعد أن ضمن "أوباما كير" لمدة أربع سنوات على الأقل، يمكنه التركيز على إصلاح الحكومة، التي تحظى بثقة عدد قليل جداً من الأميركيين، من خلال زيادة النمو الاقتصادي بنسبة أسرع من 2%، ورفع مداخيل الطبقات الوسطى، التي كانت في تراجع على امتداد رئاسته.

وهذه لا تبدو أنها خطة أوباما. فمنذ فوزه في الانتخابات، أظهر ميلاً أقل نحو المساومة، وخطابه ضد خصومه أصبح أكثر ضراوة. فلننظر في هذا الهجوم المركز في تصريحاته بشأن تقييد السلاح أخيراً، يقول "سيكون هناك منتقدون وسياسيون وجماعات ضغط ذات مصالح خاصة تحذر علناً من هجوم طاغ وشامل ضد الحريات، ليس لأن هذا الأمر صحيح، وإنما لأنهم يريدون عذراً لنشر الخوف أو رفع التقييمات أو الإيرادات لأنفسهم. وما وراء الكواليس، سيبذلون كل ما بوسعهم لمنع أي إصلاح بديهي للتأكد من عدم حدوث تغيير أياً كان".

وهذا الأمر يسر مؤيديه من اليسار الذي يتوقون إلى محارب ليبرالي لتدمير الجمهوريين الهمجيين. وربما هذا هو الدور الذي يرغب أوباما في أن يقوم به. وبالتأكيد، تشير تعييناته وأولوياته منذ نوفمبر الماضي إلى استراتيجية سياسية عازمة على تشويه سمعة الجمهوريين بهدف رئيسي يتمثل في إرجاع نانسي بيلوسي إلى رئاسة مجلس النواب.

لكن هذا السلوك يأتي أيضاً مع مخاطر جمة. فهو يعمل على المزيد من الاستقطاب للناخبين بشكل يجعل من الصعوبة بمكان حصوله بعد ذلك على أصوات الجمهوريين حول قضيتي الهجرة والسلاح.

الخطر الاقتصادي

والخطر الأكبر هو خطر اقتصادي. لقد تمكن أوباما من تجنب مسؤولية النمو الضعيف بالزعم انه خطأ الرئيس الأميركي السابق جورج بوش وكل من أتى قبله. وكانت حلوله على الدوام المزيد من الإنفاق الحكومي من دون نهاية. لكان قانون التقادم على هذه الحجة سوف ينفد في نهاية المطاف.

لكن الأهم من ذلك، ماذا عن الطبقة الوسطى التي يزعم أنه بطلها؟ في ديسمبر الماضي، كان عدد العاطلين عن العمل 12.2 مليون نسمة ومعدل الذين هم دون وظائف كان 7.8%، وهي نسبة أعلى مما كانت عليه عند استلامه المنصب.

ويحتاج أوباما إلى نمو اقتصادي أسرع، وإلى نمو نسبته 3-4% لزيادة المداخيل ولتأمين إيرادات تلبي كل التزامات الإنفاق من ولايته الأولى. والنمو المستمر بنسبة 2% سيعني أن إرثه سيكون أعلى رقم من الأميركيين دون وظائف لأطول فترة في التاريخ منذ الكساد العظيم.

وأفضل طريقة للحث على هذا النمو هو في اتباع مسار كلينتون في العمل مع الجمهوريين لتخفيض الإنفاق والأنظمة والإصلاح الضريبي والاستحقاقات، وإلا فالبديل هو على الأقل سنتان، وربما أربع سنوات إضافية من نزف الميزانية والقتال على سقف الدين.

وغالباً ما تتخلل الولاية الثانية أزمات خارجية، وهذا الأمر يمكن أن ينطبق على أوباما. فقد أكد للناخبين أنه سينهي التورط الخارجي، لكن مثل هذا التخفيض في النفقات يعمل على تخزين المتاعب. وانبعاث تنظيم القاعدة في شمال أفريقيا يظهر أن الإرهاب يبقى تهديداً قائماً، فيما تؤكد الصين نفسها موقفها بحزم في وجه حلفاء أميركا في غرب المحيط الهادي.

ويشير تاريخ القرن الماضي إلى أن تراجعاً أميركياً وعمليات انسحاب دفاعية، طوعاً أو كرهاً، يستدعيان نزعة المغامرات الخارجية. والسؤال المطروح هو ما إذا كان العالم سينفجر في السنوات الأربع المقبلة أو ينتظر الرئيس الأميركي التالي.

وأوباما يدخل ولايته الثانية وهو لا يزال يتمتع بالشعبية على الصعيد الشخصي. لكن الرؤساء العظام يفعلون أكثر من المناورة التكتيكية في وجه المعارضة في تلك الصفقة حول الميزانية أو غيرها. إنهم يرفعون مكانة أميركا، ويحسنون من رفاهها المادي، ويعالجون المشكلات التي لا يستطيع إلا الرؤساء التعامل معها. إذا ضيع أوباما سنواته التي تفتقر للأزمات، فإنه قد يواجه سقوطاً حاداً من القمة.