أكد المفكر وعالم اللغويات والناشط الأميركي نعوم تشومسكي صعوبة التوصل إلى حل للأزمة السورية من دون تدمير البلاد، وتوقع في مقابلة أجراها معه موقع " فويس أوف راشا" أن يتعرض الرئيس السوري بشار الأسد للاغتيال، بغض النظر عما سيحدث مستقبلا، مشيرا إلى أن الأسلحة الكيميائية في سوريا ستطرح مشكلة كبيرة عاجلا أم آجلا.
وانتقد السياسات التي تتبناها الدول للرد على الأزمة المالية، لأنها تمهد لأزمة مالية قد تكون أشد وطأة، كما أكد أن نشر الرئيس الأميركي باراك أوباما لمنظومة دفاع صاروخي في أوروبا يشكل عملا استفزازيا للغاية بحق روسيا، مشيرا إلى أن روسيا لو قامت بشيء مماثل ضد أميركا لوقعت بالتأكيد حرب بين البلدين.
وفيما يلي نص الحوار:
وافق حلف شمالي الأطلسي" ناتو" على نشر صواريخ باتريوت ، من أجل الدفاع عن الحدود التركية مع سوريا. ما الذي سيحدث برأيك في أعقاب ذلك؟
لا أحد يعلم. وسوريا تتجه نحو نوع من الدمار والانتحار، ويبدو انه لا يوجد طريق سهل للخروج من هذا الوضع قريبا. وأخيرا، ساءت الأوضاع أكثر، حينما اندلعت معركة بين الأكراد وقوات الثوار.
وهذا يضيف تعقيدا جديدا للوضع، ويؤثر كثيراً على تركيا بالتأكيد. ومن الطبيعي أن تشعر أنقرة بالقلق من صعود منطقة حكم ذاتي للأكراد في سوريا، وكيفية تأثيرها على المشكلة الكردية الكبيرة داخلها. لكن الوضع داخل سوريا يبدو أنه حكاية رعب متصاعد من دون حل حقيقي ممكن في الأفق.
وهناك اقتراحات عدة، كالاقتراح الأخير الذي ناقشه أخيرا المبعوث الأممي إلى سوريا الأخضر الإبراهيمي إلى جانب روسيا وأميركا. لكن سيكون على درجة كبيرة من الصعوبة إيجاد مخرج من دون تدمير البلاد.
أما الرئيس السوري بشار الأسد، فإنه يواجه عملية اغتيال بغض النظر عما سيحدث، بمعنى أنه إذا وافق على مغادرة البلاد، فمن المحتمل أن يقتل على يد مساعديه من الطائفة العلوية، لأنه سيهجرهم لمصيرهم بغض النظر عما سيكون عليه هذا المصير. وإذا لم يغادر البلاد، فإنه سيتم القضاء عليه عاجلا أم آجلا.
ولقد بدأت تبرز مشكلة أخرى، وهي مشكلة الأسلحة الكيميائية. وسوريا قد تجاوزت ما يطلق عليه أوباما الخط الأحمر. لكن أميركا تراجعت لاحقا وخففت معيار الخط الأحمر، لكن عاجلا أو أجلا ستطرح هذا الأسلحة مشكلة كبيرة. ولم يقدم أحد إجابات بشأنها، وأميركا لا يمكنها قصفها!
العلاقات الأميركية الروسية
هل يمكن أن تذكر لنا رأيك بموضوع إعادة انتخاب أوباما لولاية ثانية؟ ماذا الذي يعنيه هذا الأمر لروسيا، لا سيما بعلاقته بمنظومة الدفاع الصاروخي لأميركا التي سيجري تجميعها قريبا في أوروبا، أو على الأقل هذا ما نعتقده؟
أولا، يجدر الأخذ بالاعتبار أنه على جميع الجهات، يدرك المحللون الاستراتيجيون، ويفترض القادة السياسيون أيضا، أن منظومة الدفاع الصاروخي هي سلاح الضربة الأولى. وطبعا، تدرك روسيا هذا الأمر ،والمخططون الأميركيون يدركون ذلك أيضا وغيرهم.
بالتالي، فإن نشر منظومة صاروخية قرب الحدود الروسية، وهذا ما يجري التخطيط له، هو عمل استفزازي للغاية. ولو حاولت روسيا القيام بأمر مماثل، بنشر منظومة صاروخية في كندا على سبيل المثال، لذهبنا إلى الحرب، ولما جرى التسامح بشأن هذا الموضوع حتى من بعيد. يذكر أن أوباما في الأشهر الماضية، أدلى فيما وراء الكاميرا ببعض التعليقات، ملمحا إلى احتمال التراجع عنها بعد الانتخابات. وأصبحت هذه قضية شائكة هنا. لكن إذا ما كان سيفعل شيئا بهذا الخصوص، فأنا أشك في الأمر إلى حد كبير.
ما رأيك بالعلاقات الروسية الأميركية؟ كيف ستتطور في المستقبل؟
حسنا، تحدثنا قليلا عن هذا الأمر. يوجد لدى روسيا كثير من المشكلات الداخلية، وكيفية معالجتها لهذه المشكلات ليست واضحة إلى حد بعيد. والصراعات المباشرة بين روسيا وأميركا قد لا تكون بالحدة ذاتها التي تكمن بين أميركا والصين. في حالة الصين وأميركا، يوجد بين الدولتين علاقات تجارية هائلة. وفي الواقع، تملك الصين جزءا مهما من الدين الأميركي، بمقدار يزيد قليلا عما تملكه اليابان. وطبعا أميركا وأوروبا يعدان السوق الاستهلاكية الرئيسية للبضائع الصينية. أما في حالة روسيا، فإن هذه العلاقات تقل كثيرا. وهي في الواقع لا تتجاوز صادرات الطاقة. بالتالي العلاقة مختلفة كليا.
روسيا والاتحاد الأوروبي
ما هي توقعاتك هذه السنة فيما يتعلق بالأزمة الاقتصادية والمالية العالمية في الاتحاد الأوروبي؟ وعموما، ما سيحدث برأيك في العلاقات الدولية، والعلاقات الروسية الأميركية، والعلاقات الصينية الأميركية.
هذه أسئلة كثيرة تصعب الإجابة عليها. وكثير من الأمور تبدو ملتبسة. لنبدأ بالأزمة المالية. فالأزمة المالية أوجدتها حلقة من الازدهار- فالإفلاس- فالإنقاذ ما يطلق عليها تسمية "دوم لوب" والتي ستكلف دافعي الضرائب مزيدا من الأموال، وتشكل تهديدا متزايدا للاقتصاد الكلي على مر الزمن، بحسب أحد مديري بنك إنجلترا المسؤول عن الاستقرار المصرفي.
وهذا الأمر يعود لوجود نظام في أميركا وبريطانيا وأماكن أخرى إلى حد ما، حيث يجري تشجيع شركات الاستثمار الكبرى أساساً لاتخاذ مبادلات محفوفة بالمخاطر تسمح لها بتحقيق أرباح طائلة ، وهذه الشركات تستطيع تحقيق هذه الأرباح الطائلة في الأساس لأن المبادلات تنطوي على مخاطرة بالأصل. وسوف تنهار هذه الشركات عاجلا أم آجلا بسبب المخاطرة، وهنا يأتي دور دافع الضرائب لإنقاذها.
بالتالي، هناك بوليصة تأمين حكومية للمصارف الكبرى. والاسم الذي يطلق عليها في أميركا هو "شركات أكبر كثيرا من أن يسمح لها بالفشل" بالتالي يتعين علينا إنقاذها عندما تقع في مشكلات. إنها في الأساس بوليصة تأمين حكومية. وتقدر بعملة اليورو تقريبا بحوالي 50 مليار دولار في السنة تذهب للمصارف الكبرى وذلك في سبيل منحها تصنيف ائتماني أعلى وما إلى ذلك. ووكالات التصنيف الائتماني عندما تقوم بتصنيفاتها تأخذ بعين الاعتبار احتمال إنقاذها من قبل دافعي الضرائب في حال ساءت أوضاعها، وكل هذا مجرد تشجيع للاستمرار في تلك الحلقة من المبادلات الخطرة.
أرباح تليها خطط إنقاذ، وهذا الأمر يجري منذ سنوات ريغان الأولى. وتم تشجيع هذه السياسة في الوقت الذي كان يجري تفكيك الأجهزة التنظيمية لسياسة "نيو ديل".
وفي اليونان، يوجد كثير من المشكلات الداخلية، لكن الأمر اللافت للنظر تحديدا يتمثل في حالة إسبانيا لأنه قبل انهيار النظام المالي الذي لم يكن خطأ الحكومة، وإنما خطأ المصارف الإسبانية، وبما في ذلك المصارف اليونانية التي كانت تعمل في الإقراض، فإنه قبل هذا الانهيار في عام 2007 كانت ميزانية الدولة الإسبانية في وضع جيد. وفي الواقع، تعد إسبانيا من أقل الدول انفاقا في أوروبا على الخدمات الاجتماعية، وغيرها. بالتالي ليست القضية قضية انفاق حكومي، بل هي مشكلة مصرفية وتزداد سوءا.
وحتى صحافة الأعمال تنتقد هذا الوضع. وفي الواقع، بدأ صندوق النقد الدولي التراجع عن تلك السياسيات لأنه أصبح من الواضح جدا إلى أين ستؤدي على الصعيد الاقتصادي.
ويجدر التذكير بأن المصرف المركزي الأوروبي هو أكثر رجعية بكثير من نظيره الأميركي، الاحتياطي الفيدرالي. فالاحتياطي الفيدرالي لديه تفويض مزدوج. التفويض الأول هو السيطرة على التضخم، ولا يوجد هناك إشارة إلى وجود تضخم في الداخل. والتفويض الثاني يتمثل في الحفاظ على العمالة الكاملة.
وبالطبع، لا يفعل الاحتياطي الفيدرالي الكثير على هذا الصعيد، لكنه على الأقل يقوم ببعض التحركات. أما المصرف المركزي الأوروبي، فهو يملك التفويض الأول فقط، وهو السيطرة على التضخم. وكان عليه التحكم بالتضخم على مستوى متدن مصطنع بحدود 2%، مفروض من قبل مصرف "بوندسبنك" ومضر كثيرا بالاقتصادات، ولا يملك تفويضا للقيام بأي شيء بشأن العمالة.
بالتالي، سياساته كانت في الواقع أسوأ من نظيره في أميركا الاحتياطي الفيدرالي الأميركي. وهذا الأمر يتجلى الآن في أوروبا. وإحدى النتائج المترتبة على هذا الوضع وصفها رئيس المصرف المركزي الأوروبي ماريو دراغي.
ففي مقابلة مع صحيفة وول ستريت جورنال قال إن العقد الاجتماعي في أوروبا غير مستدام، بل ميت، ويتعين علينا أن نتخلى عن دولة الرفاه. من وجهة نظر النخبة وشريحة الأثرياء، يعد هذا أمر جيد بالنسبة لهم، فهم لم تكن تعجبهم دولة الرفاه أبدا. لكن إذا جرى تفكيكها، فسيكون هذا أمر سيئ جدا. وهذا هو المسار الذي تسير عليه أوروبا الآن إلا إذا حصل تغيير كبير.
فيما يتعلق بالعلاقات الدولية، هناك الكثير الذي يمكن قوله. فالعلاقات الأميركية الصينية تتصف بالتعقيد، واقتصاديا تعد الصين قوة صاعدة واعتقد أن الناس يستخفون بالمشكلات الداخلية للصين في سبيل الحفاظ على النمو.
ويوجد هناك نزاع أمني، يدعى في أميركا بالتعبير المهني "مأزق أمني كلاسيكي". فالصين تريد أن تسيطر على المياه القريبة منها حيث تجري معظم تجارتها. وأميركا أيضا تريد السيطرة على المياه القريبة من الصين. بالتالي هناك صراع. ودول أخرى في المنطقة لديها صراعاتها الخاصة مع الصين وتتركز حول السيطرة على الجزر في بحر الصين الجنوبي وغيرها. بالتالي، هناك مشكلات كثيرة ولا أحد يعلم كيف ستحل هذه المشكلات.
هناك مشكلة مع الجزر اليابانية..
في الغرب تدعى الجزر اليابانية، لكن الصينيين يطلقون عليها تسمية الجزر الصينية. وفي الواقع، إذا نظرت إلى التاريخ، فإنه لا يوجد لليابان الكثير لتطالب به.
سلاح الضربة الأولى
يؤكد المفكر وعالم اللغويات الأميركي نعوم تشومسكي، أن المحللين الاستراتيجيين، ويفترض القادة السياسيين أيضا، ينظرون إلى منظومة الدفاع الصاروخي باعتبارها سلاح الضربة الأولى، وأنه حتى لو كانت تعمل، وهذا سؤال يطرح، لكن في حدود المدى التي تعمل فيه، لن تكون قادرة على إيقاف الضربة الأولى.
وبالتالي، وإن كان بإمكانها نظريا منع ضربة ثأرية تقابل الأذى بمثله، إلا أنها تبقى سلاح الضربة الأولى بشكل فعال. وروسيا تدرك هذا الأمر كذلك المخططون الأميركيون وغيرهم.
وبالتالي، يؤكد تشومسكي أن نشر منظومة صاروخية قرب الحدود الروسية، الذي جرى التخطيط له، يشكل عملاً استفزازياً للغاية. ولو حاولت روسيا القيام بمثله، في كندا على سبيل المثال، لنشبت الحرب بين البلدين ، ولما جرى التسامح بشأن هذا الأمر حتى من بعيد.
ويشير تشومسكي إلى إجراء أوباما بعض التعديلات الطفيفة على الخطط الموضوعة بشأن المنظومات الصاروخية التي وضعت خلال ولاية بوش، لكنه يرى بأن هذه التعديلات تبقي المنظومة مع ذلك بوضع يستوجب من الجيش الروسي والمحللين الاستراتيجيين الروس النظر إليها على أنها تهديد جسيم، تماما كما كانت ستفعل أميركا لو كانت روسيا تقوم بشيء مماثل.
وعلى الرغم من إدلاء أوباما في الأشهر الأخيرة، ما وراء الكاميرا ببعض التعليقات ملمحا إلى احتمال التراجع عنها بعد الانتخابات، إلا أن تشومسكي يعرب عن شكوكه الكبيرة في احتمال سير أوباما في هذا الاتجاه.
تقسيم مؤقت
يرى المفكر وعالم اللغويات نعوم تشومسكي أن الرئيس السوري بشار الأسد يواجه الاغتيال بغض النظر عما سيحدث في سوريا، بمعنى أنه إذا وافق على مغادرة البلاد، من المحتمل أن يقتل على يد شركائه من الطائفة العلوية، لأنه سيهجرهم لمصيرهم بغض النظر عما سيكون هذا المصير. وإذا لم يغادر البلاد، فإنه سيتم القضاء عليه عاجلا أم آجلا.
ويشير إلى وجود اقتراحات عدة بالنسبة للأزمة السورية ومن بينها اقتراح من قبل الاختصاصي نيكولاس نوي، الذي يشير إلى نوع من تقسيم لفترة مؤقتة، تبقي المنطقة حول دمشق تحت سيطرة الأسد، فيما تترك باقي البلاد تحت سيطرة الثوار، مع رؤية إذا كان بالإمكان العمل على نوع من اتفاق مؤقت بين الأطراف المتنازعة بانتظار تسوية نهائية، وهذا الأمر يأمل أن ينتج عنه انحسار في العنف وربما تسوية يجري التفاوض بشأنها.
لكنه يشير إلى احتمال عدم نجاح الاقتراح، على الرغم من أنه برأيه يستحق المحاولة. وما عدا ذلك يقول إنه لم يسمع بأي اقتراح جيد حتى الآن.

